لماذا وإلى أين ؟

”أنبياء المغرب”.. نبي الجبل المختبئ بين تيزغت وإيسافن في سوس (ح7)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة7: سيدي ولكناس

في تلافيف الذاكرة الشعبية المغربية، وتحديدا في جغرافيا سوس، تبرز شخصية سيدي ولكناس كواحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والغموض؛ فهو “نبي” في المتخيل المحلي، و”ولي” في ممارسات الزيارة، و”خرافة” في ميزان التحقيق التاريخي والعقدي.

يستند وجود هذه الشخصية إلى روايات شفوية تناقلها العلماء والفقهاء وأثبتوها في مدوناتهم بلهجة يطبعها “التسليم” و”التعظيم”.

يحتل سيدي ولكناس مكانة تليق بمقام ”الأنبياء” الفارين بدينهم؛ إذ يذكر الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في كتابه “سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس” (3/371-372)، نقلا عن جواب لابن حريرة في كتابه “سلسلة الذهب المنقود”، أن مدفن هذا النبي المفترض يقع على رأس جبل شاهق يتوسط منطقتي تيزغت ووادي إيسافن ن آيت هارون. هذه الجغرافيا الجبلية الوعرة لم تكن مجرد مدفن، بل كانت حصنا روحيا، حيث يصف الكاتب القبر بأنه “معظم ومحترم” عند أهل تلك البلاد، يقصدونه للزيارة والتبرك، بل ويستشفون بترابه في دلالة على تغلغل معتقدات “البركة” المرتبطة بجسد الأنبياء في التربة المحيطة بهم.

أما عن أصل وجوده في المغرب؛ يربط العباس بن إبراهيم السملالي المراكشي في كتابه “الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من أعلام” (الجزء الثالث، ص 271)، سيدي ولكناس بهجرة جماعية لثلاثة أنبياء (دانيال، شناول، ولكناس). وحسب رواية السملالي، فإن الدافع كان الفرار من بطش “بختنصر” الذي عُرف بقتله للأنبياء، فركبوا البحر حتى قذفتهم الرياح إلى رباط ماسة بسوس، ومنها اتجهوا نحو “القبلة” واستقروا بجبال “باني” وطاطا.

هذه الرواية، رغم افتقارها للسند التاريخي القطعي، تهدف إلى دحض المقولة الشائعة بأن المغرب “بلد أولياء لا أنبياء”، وهو ما حاول الكتاني تبريره في “سلوة الأنفاس” بقوله إن هذه المواقع قد تخرج عن حيز المغرب الجغرافي لتلتحق بحيز الصحراء.

يتسم سيدي ولكناس بـ “هالة من المنع”؛ فلا يجرؤ أحد على السكن بالقرب من مدفنه إلا من مسافة بعيدة، ويحرم البناء جوار قبره، ومن انتهك حماه يظهر له “ما لا يسره”، وهي ملامح ترسم صورة نبي محاط “بالجلال” الذي يورث الخوف.

ورغم هذا التعظيم الذي يدعو إليه الكتاني في كتبه، معتبرا أن احترام هذه القبور من “تعظيم شعائر الله”، إلا أن المحققين المعاصرين لهم رأي آخر؛ فقد نقل عن عبد العزيز بنعبد الله في كتابه “سوس بوابة الصحراء” قوله: “كل ذلك لم يثبت تاريخيا”.

سيدي ولكناس، بهذا المعنى، ظاهرة ثقافية ودينية معقدة؛ رجل يمتزج فيه التاريخ بالأسطورة، والحقيقة بالخيال الشعبي. هو نبي في عيون أهل “إيسافن” الذين يحرسون قبره بالتوقير، وأثر من آثار “الجهل وضعف العقيدة” في نظر النقاد الذين يرون في حكايته صدى لخرافات قديمة أُنتجت محليا لتغليف الجغرافيا المغربية بقداسة نبوية مستعارة من قصص الأنبياء في المشرق.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
أضف تعليقكx
()
x