لماذا وإلى أين ؟

مشاهير طنجة.. “ساريتا ساغيس” أكثر من مجرد فتاة طنجاوية

مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.

إليكم قصة اليوم :

طنجة، المدينة ذات التاريخ الغني والموقع الاستراتيجي على البحر المتوسط، كانت منذ 1923 منطقة دولية تحكمها ثلاث دول: إسبانيا وفرنسا وبلجيكا، ثم انضمت إليها إيطاليا والبرتغال وهولندا لاحقًا. في هذه البيئة متعددة الثقافات، نشأت شخصيات فريدة من نوعها، ومن بينهم ساريتا ساغيس، المرأة اليهودية الطنجاوية التي تركت بصمة لا تُنسى على المدينة.

ساريتا ساغيس

ساريتا ساغيس.. المرأة التي كسرت القوالب

ساريتا ساغيس كانت أكثر من مجرد فتاة من طنجة؛ كانت طيارة ماهرة، سائقة متحمسة للمغامرات، وصيدلانية مثل والدها. في زمن لم تكن فيه الفرص متاحة للنساء كما للرجال، وفرت لها طنجة –بفضل طابعها الكوزموبوليتاني والانفتاح النسبي للمدينة– فرصة لتلقي تعليم جيد وممارسة أنشطة كانت تُعتبر حكراً على الرجال. استثمرت ساريتا هذه الفرص بذكاء، فتعلّمت قيادة الطائرات والدراجات النارية وأتقنت الصيدلة، محققةً توازنًا نادرًا بين العلم والمغامرة.

كانت ساريتا تمثل رمزًا للحرية والإبداع؛ فكلما تجولت في شوارع طنجة أو عبرت ساحل المدينة على دراجتها النارية، كان سكان المدينة يحدقون بإعجاب في شجاعتها وجرأتها. لم تكتفِ بالنجاح المهني فقط، بل أصبحت مثالًا للمرأة التي تستطيع أن تتجاوز القيود المجتمعية دون أن تتخلى عن شغفها ومغامراتها.

ساريتا ساغيس أمام ثانوية رينو بطنجة

مغامرات في السماء والشوارع

قصص ساريتا الطائرة كانت مشهورة بين أهل طنجة؛ فالبعض ممن عاصر تلك الحقبة يحكي كيف كانت تحلق فوق ميناء المدينة، تاركة أثرًا من الدهشة في أعين المارة. كان والدها ألبرت ساغيس معروفا في طنجة أيضا، حيث كان يدير مدرسة الرابطة الإسرائيلية في طنجة آنذاك. 

بعد إكمال دراستها في باريس، عادت ساريتا ساغيس إلى طنجة مزودة بمعرفة واسعة في الصيدلة، فافتتحت صيدليتها الشهيرة في شارع إيطاليا، لتصبح وجهة للسكان المحليين والأجانب على حد سواء. لم تكن الصيدلية مجرد مكان للعلاج أو الأدوية، بل رمزًا لشخصيتها القوية واستقلاليتها؛ فقد كانت ساريتا طيارة ماهرة، ومولعة بالدراجات النارية، ولم يثنها شيء عن ممارسة شغفها بالمغامرة وتسلق الجبال، حتى في أزمنة لم تكن النساء فيها تتمتعن بالفرص نفسها التي يُمنحها الرجال.

وللأسف، انتهت حياة ساريتا في عام 1938 بحادث دراجة نارية مأساوي هزّ المدينة، لكنها لم تُنسَ. تخليداً لذكراها، أقام والدها ألبرت “حانة ساريتا ساغيس” في المدينة القديمة تيمنا بروحها المغامرة، وأسس أيضا “جائزة ساريتا ساغيس” لطلاب ثانوية “رينو” للبعثة الفرنسة في طنجة، لتظل روحها الملهمة حاضرة في قلوب الأجيال الجديدة، تعكس إرثًا من الجرأة والتعليم والمثابرة.

صيدلية ساريتا ساغيس بشارع إيطاليا بطنجة

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x