2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، قد تختلف الشعارات وتتنافس الإيديولوجيات، لكن بعض العائلات تعرف كيف تحول “التناقض” إلى رأسمال، وكيف تجعل من المسار الشخصي شجرة تمتد جذورها في السياسة وأغصانها في السوق.
في هذه الحلقة من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من “آل التازي”؛ عائلة بدأت من الراديو والمشط و“البونج”، وانتهت إلى الطاقة الشمسية، التحويلات المالية، والاستثمار في الاقتصاد الصحي والرقمي.
القصة تبدأ في فاس سنة 1926، مع عبد العزيز التازي، الذي فقد والده مبكرا، وخرج إلى سوق العمل قبل أن يبلغ السادسة عشرة، لم يرث الرجل ثروة، بل ورث الحاجة.
بدأ مصلحا لأجهزة الراديو في أواخر الأربعينيات، ثم تاجرا صغيرا في المدينة القديمة.
لكن عبد العزيز التازي لم يكن مجرد رجل سوق، فقد انخرط أولا في حزب الشورى والاستقلال، ثم اقترب من الحزب الشيوعي المغربي، وكان مقربا من زعيمه علي يعتة، واعتقل من طرف الاستعمار الفرنسي، وغادر إلى فرنسا، قبل أن يعود إلى المغرب عشية الاستقلال.
في سنة 1964 اقتنى أول آلة لصناعة الرغوة (mousse)، وبعدها بعام أسس شركة “ريشبوند”. من شفرات الحلاقة، إلى “المشطة” التي لم تكن تتجاوز عشرة سنتيمات، وصولا إلى “صوفة النصارى” التي ستتحول إلى علامة تجارية، صار الرجل يعرف بلقب “مول البونج”.
لم يكن التحول اقتصاديا فقط، بل اجتماعيا أيضا. منتجات كانت في المتناول المحدود صارت في متناول الأسر المتوسطة، وهكذا تحولت الصناعة إلى أداة دمقرطة استهلاكية، ولو داخل منطق السوق.
اليوم، لم تعد “ريشبوند” مجرد مصنع إسفنج، بل مجموعة صناعية رقم معاملاتها يقارب ملياري درهم سنويا، تنافس غريمها التقليدي Dolidol في سوق الأفرشة، وتوظف أزيد من 1200 عامل، وتمتد إلى كينيا وساحل العاج.
لكن آل التازي لم يكتفوا بالصناعة الكلاسيكية.
في 2019، استحوذت المجموعة على 40 في المائة من رأسمال Cash Plus، ثاني فاعل في تحويل الأموال بالمغرب بعد Wafacash.
العملية لم تكن مجرد صفقة، بل إعلان دخول العائلة إلى صلب “الاقتصاد الرقمي”، مستفيدة من شبكة تتجاوز ألفي وكالة، ومن ترخيص مؤسسة أداء ممنوح من بنك المغرب.
المنطق هنا واضح؛ تنويع، تلاقح شبكات، وتحويل موزعي الأفرشة إلى وكلاء خدمات مالية.. الرأسمال الصناعي يعانق الرأسمال المالي.
وفي الصناعة أيضا، دخلت شركة “سيميك” التابعة لمجموعة ريشبوند في شراكة مع EDF Maroc لإنشاء محطة طاقة شمسية كهروضوئية تنتج 3.5 جيغاواط ساعة سنويا من الكهرباء النظيفة، مع تجنب 2800 طن من ثاني أوكسيد الكربون، وهكذا ينتقل “مول البونج” إلى إزالة الكربون.
بل إن العائلة استثمرت، عبر “فاميلي أوفيس” المرتبط بها والمالكة الأساسية لشركة Sothema، ما قيمته 100 مليون درهم في رأسمال مجموعة “ديسلوغ”، إلى جانب مستثمرين مؤسساتيين وصناديق دولية.
لكن الوجه الأكثر إثارة في الحكاية يبقى كريم التازي.
رجل أعمال يقود مجموعة صناعية كبرى، ويُتهم في الآن نفسه بأنه “patron rouge”. خلال حراك 20 فبراير، أعلن دعمه للشباب المحتج، واعتبر أن “هؤلاء الشباب لهم فضل إحياء الدينامية الإصلاحية”، وساند مطلب ملكية برلمانية حقيقية.
لم يكن موقف التازي موقفا عابرا، بل امتدادا لإرث عائلي يساري، ولو داخل بنية برجوازية واضحة.
هنا تكمن المفارقة؛ عائلة خرجت من رحم حزب شيوعي، وراكمت ثروة صناعية معتبرة، ثم صارت تستثمر في المال الرقمي، والطاقة النظيفة، والصحة.
في المغرب، ليست العائلات مجرد وحدات اجتماعية، بل فاعلون اقتصاديون وسياسيون طويلو النفس، و”آل التازي” مثال على ذلك.
التاريخ هنا لا يسير في خط مستقيم، إنه يلتف، يتكيف، ويعيد إنتاج نفسه بأدوات جديدة.
وفي الحلقة المقبلة، سنطرح السؤال نفسه بصيغة أخرى:
هل يصنع السوقُ العائلة… أم أن العائلة هي التي تصنع السوق؟