لماذا وإلى أين ؟

”أنبياء المغرب”.. كيف صاغت بورغواطة ديانة محلية بـ 80 سورة؟ (ح9)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة9: ديانة بورغواطة

شكلت تجربة دولة برغواطة في مغرب العصور الوسطى واحدة من أكثر الظواهر التاريخية إثارة للجدل والغموض، إذ لم تكن مجرد كيان سياسي عابر، بل مثلت محاولة لصياغة هوية دينية مستقلة تماما عن المشرق.

بدأت هذه الدولة مسارها في منطقة تامسنا (الشاوية حاليا) عام 744م، مستغلة حالة التذمر الشعبي بين الأمازيغ جراء الممارسات الإقصائية لولاة بني أمية. ويشير ابن خلدون في الجزء الأول من كتابه “العبر”، إلى أن الأمازيغ ارتدوا في إفريقية والمغرب 12 مرة، رقم يعكس حجم الصراع الوجودي والرغبة في التحرر من التبعية السياسية التي كانت مغلفة بظلم اجتماعي، ما دفع طريف بن مالك لتأسيس نواة دولة برغواطة التي استمرت لنحو أربعة قرون.

لم يتوقف التمرد البرغواطي عند حدود السياسة، بل تجاوزه إلى وضع منظومة عقائدية موازية للإسلام التقليدي، حيث أعلن صالح بن طريف نبوته ووضع “قرآنا” أمازيغيا خاصا بالمنطقة.

ويذكر أبو عبيد البكري في كتابه “المسالك والممالك” أن هذا الكتاب كان يتألف من 80 سورة، أغلبها يحمل أسماء أنبياء وحيوانات، وكان يُتلى باللغة الأمازيغية في الصلوات.

ويرى الباحث أمين قداحة في كتابه “البرغواطيون في المغرب العربي” أن صالح بن طريف استثمر ذكاءه في دمج العقائد المنتشرة آنذاك مع العادات المحلية، ليخلق ديانة بطابع أمازيغي خالص، شملت تغيير أوقات الصيام وتحريم أكل الديك والبيض، وهي تفاصيل تعكس محاولة لصناعة “خصوصية مغربية” متطرفة في استقلالها عن النسق السائد في دمشق أو بغداد.

وجعلت القوة العسكرية والتماسك الاجتماعي لدولة برغواطة عصية على السقوط أمام الدول المتعاقبة، بما في ذلك الدولة الإدريسية التي غالبا ما يُسلط عليها الضوء كأول دولة مستقلة بالمغرب.

وترى مراجع تاريخية أن البرغواطيين سيطروا على رقعة جغرافية واسعة تمتد من سلا إلى أسفي، وظلوا شوكة في حلق القوى المجاورة حتى منتصف القرن السادس الهجري.

هذا الصمود الطويل يثبت أن الديانة البرغواطية لم تكن مجرد بدعة طارئة، بل كانت أيديولوجيا قادرة على تعبئة القبائل الأمازيغية وتوفير غطاء شرعي لسلطة سياسية واجهت حملات عسكرية شرسة، بدأت مع المرابطين وانتهت على يد الموحدين.

انتهى الوجود السياسي لبرغواطة سنة 1148م بمجازر دموية هائلة، حيث ينقل الحسن الوزان (ليون الإفريقي) في مؤلفه الشهير ” وصف أفريقيا” أن ضحايا الحملات المرابطية ضدهم بلغ عددهم نحو مليون قتيل، مع تدمير 40 مدينة بالكامل.

وساهم هذا المحو الممنهج لأثر برغواطة في ندرة المصادر التاريخية المحايدة عنها، إذ كُتب تاريخها بأقلام خصومها الذين وصفوهم بالمجوس أو المرتدين. ومع ذلك، تظل الشرائع الخاصة ببرغواطة شاهدا على مرحلة حاول فيها المغاربة الأوائل صياغة دين محلي بلغة الأرض، بعيدا عن السلطة المركزية للمشرق.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x