2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب”.. نبي السيف الذي فرض دينه بالدم بعد عودته من المشرق
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة10: يونس بن إلياس
تولى يونس بن إلياس الحكم في القرن الثالث الهجري (حوالي سنة 227 هـ). نشأ في بيت تدعي عائلته النبوة والاتصال بالوحي، لكنه تميز عن أسلافه بالذكاء السياسي والطموح العسكري. رحل يونس في شبابه إلى المشرق، وقيل إنه حج ودخل بغداد، وهناك تعمق في دراسة علم النجوم، والفلسفة، والجدل، والرياضيات. عاد إلى المغرب بعقلية مختلفة، مدركا أن البقاء لإمارته يتطلب دينا مستقلا يقطع الصلة بالخلافة العباسية أو الأدارسة.
عند عودته، أعلن يونس أن جده صالح كان نبيا مرسلا، وأخرج للناس “قرآنا” ادعى أنه نزل على جده. لم يكن يونس مجرد حاكم، بل كان “المفسر الأكبر” لهذا الدين. وضع تشريعات صارمة ميزت أتباعه عن بقية المسلمين، منها صوم شهر رجب بدلا من رمضان، عشر صلوات في اليوم بدلا من خمس، إباحة التعدد بلا حصر (إلا في الأقارب المحارم)…
وصفه المؤرخون بـ “الدهاء والمكر”. كان يزعم أنه يعلم الغيب من خلال حركة النجوم، وكان يستخدم هذا العلم لإرهاب أتباعه وإقناعهم بصدق دعواه. صور نفسه كحام للهوية الأمازيغية ضد العرب، مستغلا النزعات القبلية لترسيخ دينه وسلطته.
على عكس أسلافه، كان يونس الوحيد من أهل بيته الذي شد الرحال للحج، كما يؤكد ابن عذاري المراكشي في كتابه “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب” بقوله: “حجَّ، ولم يحج أحدٌ من أهل بيته”. لكن هذه الرحلة المشرقية لم تكن طلباً للنسك بقدر ما كانت محطة لاستجلاب فكر غريب عاد به ليطبقه بالقوة والبطش على قبائل الأمازيغ.
تجلت وحشية يونس بن إلياس في الأرقام المفزعة التي أوردها مؤرخون، من بينهم أبو عبيد البكري، حيث ذكر أنه “أخلى ثلاثمائة مدينة وسبعا وثمانين مدينة”. ولم يقتصر فتك يونس على الغرباء، بل شمل بني جلدته من أنفسهم؛ ففي واقعة رهيبة بموضع يدعى “تاملوكاف” (وهو حجر نايف عال وسط السوق)، قتل يونس حوالي 8000 شخصا، ليجعل من جثثهم عبرة لكل من يقف في وجه مشروعه الجديد الذي مزج فيه بين ادعاء النبوة والطموح السياسي الجامح.
سجل الشاعر سعيد بن هشام المصمودي هول تلك الفاجعة في قصيدته التي أوردها ابن عذاري في كتابه ”البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ص225 بقوله:
“ألم تسمع ولم ترَ يوم بهتٍ … على آثاري خيلهم رنينا”
“رنين الباكيات بهم ثكالى … وعاوية ومسقطة جنينا”
“هنالك يونس وبنو أبيه … يوالون البوار معظمينا”.
يقول المراكشي في نفس الكتاب (صفحات 224 إلى 227)،إن عبادته تضمنت ” تحريفا ظاهرا للمناسك الإسلامية، حيث فرض عليهم صيام شهر رجب بدلا من رمضان، واستحدث هيئات غريبة للوضوء شملت “غسل السرة والخاصرتين ومسح القفا”، وصلاة بسلام خاص يقولون فيه: “الله فوقنا لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء”.
ولم يغفل المراكشي الجانب الدموي في تثبيت هذا المذهب، حيث يؤكد أن يونس “قتل خلقا كثيرا من البربر حتى أطاعوه”، مشيرا إلى أن هذه القبائل ظلت على مذهبه حتى عام 352هـ، وهو العصر الذي شهد تمدد نفوذ الحكم المستنصر بالله خليفة الأندلس، مما مهد الطريق لعودة الشريعة الإسلامية بصيغتها المشرقية إلى المغرب.
يتساءل الباحث في التاريخ عبد الكريم كلاب، في معرض حديثه عن يونس بن إلياس بن صالح بن طريف، عن السر الكامن وراء تحور الفكر الذي استقدمه يونس من المشرق، وكيف استحال على يديه إلى آلة دمار في بلاد الموريين.