2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
تُعد عائلة بناني واحدة من أعرق العائلات الفاسية التي طبعت تاريخ مدينة فاس لقرون، إذ تُصنف ضمن ما يُعرف بـ”بيوتات فاس” التي شكلت تقليدياً نخبة المدينة العلمية والاجتماعية والاقتصادية، وارتبط اسم العائلة بمجالات متعددة، من الفقه والقضاء إلى السياسة والاقتصاد والفن.
وترجع أصول العائلة، بحسب عدد من المصادر التاريخية، إلى جذور عربية قرشية تعود إلى “بنو بنانة” من قريش، وهم من نسل بنو سعد بن لؤي بن غالب.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن هذه السلالة انتقلت عبر الأندلس والقيروان قبل أن تستقر في مدينة فاس، حيث اندمجت في نسيجها الاجتماعي وأصبحت جزءاً من نخبتها التقليدية.
وتُورد كتب الأنساب والتاريخ الاجتماعي لفاس معطيات مفصلة عن هذه الأسرة، ففي كتاب “زهر الآس في بيوتات أهل فاس” لعبد السلام بن سودة، يُذكر أن عائلة بناني تتوزع على ثلاثة فروع رئيسية، تعود أصولها إلى تلمسان وجبل لعلام والقيروان.
ويورد كتاب “بيوتات فاس الكبرى” لإسماعيل بن الأحمر العائلة ضمن أبرز الأسر التي شكلت النخبة الاجتماعية للمدينة.
واشتهرت العائلة تاريخياً ببروز علمائها وفقهائها، خاصة في جامعة القرويين. ومن بين أبرز هؤلاء الفقيه محمد بن حمدون بناني الفاسي الذي توفي سنة 1729، ومحمد بن عبد السلام بناني الذي توفي سنة 1750، وهما من العلماء الذين كان لهم حضور علمي في الحياة الفقهية بفاس.
وارتبط اسم العائلة بإنتاج علمي مهم في المذهب المالكي، من أبرز مظاهره كتاب “حاشية البناني” للعلامة محمد بن الحسن البناني المتوفى سنة 1780، وهو شرح علمي على كتاب جمع الجوامع في أصول الفقه، وظل يُدرّس في جامعة القرويين والمعاهد العلمية لسنوات طويلة.
ولم يقتصر حضور “آل بناني” على المجال العلمي، بل امتد إلى الحياة الوطنية والسياسية في المغرب. ففي مرحلة الكفاح الوطني، يظهر اسم الجيلالي بناني ضمن الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، وهي الوثيقة التي شكلت محطة مفصلية في مسار الحركة الوطنية المغربية.
وفي المغرب المعاصر، برز عدد من أفراد العائلة في مواقع المسؤولية السياسية والمؤسساتية، ومنهم لطيفة بناني سميرس التي تُعد من الوجوه النسائية البارزة في الحياة السياسية، حيث دخلت البرلمان سنة 1993 عن حزب الاستقلال، وكانت أول امرأة تصل إلى المؤسسة التشريعية في المغرب، كما ترأست الفريق الاستقلالي بمجلس النواب.
كما برزت شخصيات أخرى مثل عزيزة بناني التي شغلت منصب كاتبة دولة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي مكلفة بالثقافة بين سنتي 1997 و1998، قبل أن تمثل المغرب لسنوات طويلة سفيرة لدى منظمة اليونسكو.
وفي المجال العسكري، يُعد الجنرال عبد العزيز بناني (1935-2015) واحداً من أبرز القادة العسكريين في تاريخ المغرب الحديث، حيث شغل منصب المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، وكان له دور مهم في تدبير عدد من الملفات الاستراتيجية، خاصة المرتبطة بقضية الصحراء.
كما عُرف من العائلة عدد من الأسماء في مجالات الثقافة والفن، من بينها المخرج السينمائي حميد بناني، والفنان التشكيلي كريم بناني، إلى جانب الطبيب والمفكر جليل بناني المتخصص في الطب النفسي.
وزادت شهرة العائلة على المستوى الدولي مع ارتباط اسمها بالمؤسسة الملكية، من خلال الأميرة للا سلمى، التي تُعرف باسم سلمى بناني، زوجة الملك محمد السادس السابقة، والتي تنحدر من أصول فاسية ونشأت في مدينة الرباط.
وتشير عدد من المصادر إلى أن العائلة برزت أيضاً في المجال الاقتصادي، حيث ارتبط اسمها برجال أعمال ومستثمرين في القطاع البنكي والصناعي والعقاري، من بينهم الراحل عبد الحق بناني الذي كان من الأسماء البارزة في القطاع البنكي المغربي.
وتحتفظ مؤسسات علمية مغربية بعدد من المخطوطات والوثائق المرتبطة بأعلام هذه الأسرة، سواء في الخزانة العامة بالرباط أو خزانة القرويين، حيث توجد رسائل فقهية وفتاوى ومؤلفات تعكس الامتداد العلمي للعائلة.
وتتضمن موسوعة “معلمة المغرب” تراجم لعدد من شخصيات “آل بناني”، ما يعكس حضورهم في مجالات متعددة بين الفقه والسياسة والعمل الوطني.
وبهذا الامتداد التاريخي المتنوع، تظل عائلة بناني واحدة من الأسر المغربية التي جمعت بين العلم والنفوذ السياسي والحضور الاقتصادي، لتبقى ضمن أبرز بيوتات فاس التي تركت بصمتها في تاريخ المغرب القديم والحديث.