لماذا وإلى أين ؟

”أنبياء المغرب”.. الأحمدية امتدادات النبوة القاديانية (ح17)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة17: الأحمدية

أعادت الجماعة الأحمدية صياغة مفاهيم التدين في المنطقة المغاربية، متخذة من شخصية مؤسسها مرزا غلام أحمد القادياني محورا لاستمرارية النبوة في شكلها “الظلي” أو “التابعة”.

الجماعة التي يعبد مريدوها الله الواحد الأحد ويؤمنون بالقرآن الكريم وبخاتم الأنبياء محمد ﷺ، تطرح رؤية مغايرة لمفهوم ختم النبوة، معتبرة أن الوحي والإلهام لم ينقطعا، بل تجسدا في شخص القادياني الذي أعلن نفسه سنة 1889 إماما مهديا ومسيحا موعودا.

وخلافا للصورة النمطية التي تربط وجودهم بالطفرة التكنولوجية الحديثة، فإن الجذور التاريخية للأحمدية في المغرب تضرب في عمق القرن التاسع عشر؛ حيث تورد المعطيات التاريخية أن عالما من علماء جامع القرويين بفاس كان أول من آمن بدعوة المرزا، متبادلا معه المراسلات والكتب العلمية.

ظل حضور الجماعة خافتا إلى غاية بداية التسعينيات من القرن الماضي، حين أحدثت الأقمار الاصطناعية طفرة في الانتشار، مكنت المغاربة من استقبال القناة الإسلامية الأحمدية. ومنذ ذلك الحين، بدأ يتشكل النسيج التنظيمي للأحمديين المغاربة، الذين يقدر عددهم اليوم بنحو ألف شخص، موزعين بين مختلف المدن.

وتعتمد عقيدة الجماعة في جوهرها على أن المسيح عيسى ابن مريم قد مات ميتة طبيعية ولن ينزل بجسده من السماء، بل إن المسيح المزمع نزوله هو المرزا غلام أحمد الذي جاء “حكما عدلا” لكسر الصليب وقتل الخنزير بالمعنى الرمزي للضلال. وهذا التفسير هو الذي يضعهم في مواجهة مباشرة مع العقيدة التقليدية، ويجعلهم عرضة لأحكام التكفير من قبل الخصوم الذين يعتبرون إيمانهم بنبي بعد محمد خروجا عن ثوابت الإسلام.

وعلى المستوى التنظيمي، استقلت جماعة المغرب سنة2011 بعد سنوات من التبعية لجماعتي إسبانيا وفرنسا، وأصبحت تدير شؤونها تحت قيادة رئيس ومسؤولين محليين، محتفظة بمواعيد احتفالية خاصة تضاف إلى الأعياد الإسلامية الكبرى.

ومن أبرز هذه المناسبات “يوم المصلح الموعود” في 20 من فبراير، و”يوم المسيح الموعود” في23 من مارس، و”يوم الخلافة” في 25 من أبريل، وهي مواعيد تكرس الانتماء للنظام العالمي للجماعة.

في المقابل، يخوض الأحمديون المغاربة صراعا فكريا يرفضون فيه مفاهيم “الناسخ والمنسوخ” وتلبس “الجن الشبحي”، معتبرين أن هذه الأفكار دخيلة على صفاء النص القرآني.

أما في الجزائر، فإن مشهد الجماعة الأحمدية يكتسي صبغة أكثر توترا مقارنة بنظيرتها المغربية، حيث تحول وجودهم من “أقلية دينية” إلى “قضية أمن دولة” في مواجهة شرسة مع السلطات والمؤسسات الدينية الرسمية.

أعادت الجماعة الأحمدية في الجزائر إثارة أسئلة الحريات الدينية في فضاء يتبنى المذهب المالكي بصرامة، إذ بدأ ظهورهم الفعلي يبرز بقوة منذ سنة 2007، لكن الصدام الكبير وقع في 2016 وما بعدها، حين شنت السلطات الأمنية حملة توقيفات واسعة شملت المئات من المنتسبين للجماعة، بمن فيهم قيادات وطنية، ووجهت إليهم تهم ثقيلة تتراوح بين “النصب والاحتيال”، “جمع تبرعات بدون ترخيص”، ووصولا إلى “المساس بالمعلوم من الدين” و”تكوين جمعية غير مرخص لها”.

ورغم هذا التضييق القانوني والأمني الذي تعتبره المنظمات الحقوقية الدولية “قمعا لحرية المعتقد”، يصر الأحمديون الجزائريون، الذين يقدر عددهم ببضعة آلاف، على ممارسة طقوسهم في “بيوت صلاة” سرية، متمسكين بذات العقيدة التي تؤمن بـ “المرزا غلام أحمد القادياني” مسيحا موعودا.

وما يثير الاستغراب في الحالة الجزائرية هو “قوة التغلغل” في أوساط النخب والطبقات المتوسطة، حيث لم يعد الأمر مقتصرا على الأفراد المعزولين، بل امتد ليشمل عائلات بأكملها في ولايات مثل البليدة، تيزي وزو، وسكيكدة.

وبينما تصفهم وزارة الشؤون الدينية الجزائرية بأنهم “خطر على المرجعية الوطنية”، تدافع الجماعة عن نفسها بأنها تمارس إسلاما سلميا يرفض العنف والسياسة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x