لماذا وإلى أين ؟

”أنبياء المغرب”.. قبر النبي يونس في سلا! (ح19)

“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.

في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...

الحلقة19: سيدي بوسدرة والنبي يونس

يعتبر ضريح سيدي بوسدرة بمدينة سلا وامتداداته المرتبطة بشخصية نبي الله يونس (عليه السلام) من القضايا التي تتقاطع فيها الميثولوجيا الشعبية مع معطيات الجغرافيا التاريخية، بعيدا عن الجزم العقدي.

من الناحية الوصفية، يقع الضريح في منطقة سيدي بنعاشر المطلة على المحيط الأطلسي، وهو موقع يتميز بجرف صخري ينسجم مع الوصف القرآني “بالعراء”، أي المكان الخالي من الشجر والبناء.

تشير المصادر التاريخية المحلية، وعلى رأسها كتابات المؤرخ محمد حجي في كتابه “جوانب من ثقافة سلا”، وكذا إشارات في “الاستقصا” للناصري، إلى أن الذاكرة الجمعية لأهل سلا تربط بين نمو “اليقطين” (القرع السلاوي) في هذه المنطقة وبين معجزة النبي يونس.

ما يعزز هذه الفرضية من منظور تاريخي وصفي هو أن السلاويين يطلقون على هذا النوع من الخضروات اسم “القرعة الشريفة”، وهي تسمية لا تمنح عادة إلا لما له صلة بالنسب النبوي أو المعجزات الإلهية.

من الناحية الجغرافية، يرى بعض الباحثين أن اتصال البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي يجعل فرضية وصول “الحوت” إلى سواحل سلا أمرا ممكناً تقنيا.

كما أن نفوذ الإمبراطورية الرومانية الذي كان يمتد من الشام إلى “موريتانيا الطنجية” (المغرب حاليا) يسهل فكرة انتقال القصص أو حتى الأشخاص عبر هذه المسافات الشاسعة.

ومن الناحية الأثرية، فإن اسم بوسدرة يحيل في اللسان الدارجي واللغة إلى صاحب السدرة، والسدر ذكر في النصوص الدينية كشجر له قدسية، مما يجعل المقام في نظر الباحثين “مقام رؤيا” أو “مقام تبرك” أكثر من كونها مقبرة بيولوجية، وهو أمر شائع في المغرب الذي يضم مقامات لعدة أنبياء وشخصيات مقدسة (مثل فم الغار بوجدة المرتبط بأصحاب الكهف).

وتؤكد الدراسات السوسيولوجية أن تحويل الضريح من اسم “يونس” إلى “سيدي بوسدرة” قد يكون ناتجا عن حقب زمنية تعرضت فيها المدينة للغزو، فتم استبدال الاسم الصريح باسم ولي محلي لحماية المكان من التدنيس أو لتعريب القصة ودمجها في السياق الصوفي المغربي.

ومع ذلك، يشدد المؤرخون على أن هذه الروايات تفتقر إلى “السند القطعي”؛ فالمقامات المنسوبة للأنبياء غالبا ما تكون “مقامات رؤيا” أو تذكارية، وليست بالضرورة أضرحة حقيقية تضم جثامينهم، خاصة وأن هناك مقامات أخرى للنبي يونس في الموصل بالعراق وفلسطين.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x