2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، هناك عائلات تبني نفوذها عبر المال، وأخرى عبر السياسة، لكن قلة فقط استطاعت الجمع بين الرمزية الروحية والنفوذ الحزبي في آن واحد.
وفي الحلقة الخامسة والعشرين من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من عائلة بركة؛ الاسم الذي يحضر في السياسة والحزب والإدارة، وفي الوقت نفسه يرتبط بتاريخ طويل من النسب الشريف والرمزية الدينية في شمال المغرب.
البداية ليست من الرباط ولا من فاس، بل من جبل العلم في إقليم العرائش، حيث يوجد ضريح القطب الصوفي الشهير مولاي عبد السلام بن مشيش.
هناك، تعود جذور العائلة إلى الشرفاء العلميين، وهم أحفاد ابن مشيش الذين انتشروا في شمال المغرب قبل أن تنتقل بعض فروعهم إلى المدن الكبرى.
كتب الأنساب المغربية تشير إلى هذا الامتداد، ففي كتاب “الدرر البهية والجواهر السنية في الفروع الحسنية والحسينية” لإدريس الفضيلي، كما في “مصابيح البشرية في أبناء خير البرية” لأحمد الشباني الإدريسي، يرد ذكر فروع الشرفاء العلميين الذين استقر بعضهم في الحواضر المغربية، ومن بينهم عائلات التحقت لاحقاً بالنخب الحضرية مثل عائلة بركة.
لكن التحول الأكبر في مسار العائلة حصل مع الهجرة نحو فاس، مثل كثير من الأسر “الشريفة القادمة” من الجبال والقبائل، انتقل أجدادها إلى المدينة العلمية طلباً للعلم والعمل في القضاء والإدارة، قبل أن يندمجوا في نخبها الاجتماعية.
كتاب “بيوتات فاس الكبرى” لإسماعيل بن الأحمر يوضح هذه الظاهرة، حيث تحولت فاس عبر القرون إلى فضاء يدمج العائلات القادمة من مختلف جهات المغرب داخل شبكة النخب العلمية والإدارية.
هكذا تشكلت الهوية المزدوجة للعائلة؛ أصل علمي جبلي في الشمال، واستقرار اجتماعي وسياسي في فاس.
ومع قيام الدولة الوطنية بعد الاستقلال، بدأت هذه العائلة تدخل تدريجياً إلى دوائر الدولة والإدارة، في مسار يشبه ما وصفه عالم الاجتماع السياسي ريمي لوفو في كتابه “الملكية والوجهاء في المغرب”، حيث حافظت بعض الأسر على مكانتها عبر الجمع بين الشرعية التقليدية والوظائف الحديثة داخل الدولة.
غير أن الحضور الأقوى للعائلة برز داخل حزب الاستقلال، فالعائلة ارتبطت تاريخياً بهذا الحزب الذي قاد الحركة الوطنية، وأصبح جزء من مسارها السياسي مرتبطاً بتاريخه وتوازناته.
العلاقة تعززت أكثر عبر المصاهرة، فعبد الجليل بركة، أحد أطر الدولة، تزوج من لولا الفاسي، ابنة الزعيم الوطني علال الفاسي، ما جعل العائلة تدخل قلب ما يسميه بعض الباحثين بـ “الأرستقراطية الفاسية” التي قادت الحزب لعقود.
بهذه المصاهرة، لم يعد اسم بركة مجرد لقب عائلي، بل صار جزءاً من سلسلة نسب سياسي داخل الحزب.
اليوم، يمثل نزار بركة الوجه الأكثر حضوراً لهذه العائلة، وهو الذي ولد في الرباط سنة 1964، ودرس الاقتصاد قبل أن يحصل على الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بعد مسار أكاديمي شمل دراسات في إسبانيا وفرنسا.
جمع مساره بين التكنوقراطية والسياسة، حيث شغل منصب وزير مكلف بالشؤون الاقتصادية والعامة، ثم وزيراً للاقتصاد والمالية بين 2012 و2013، قبل أن يعينه الملك رئيساً للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2013، وهو منصب استشاري يرسم السياسات العمومية الكبرى.
وفي سنة 2017، انتخب أميناً عاماً لحزب الاستقلال، خلفاً لحميد شباط، في محطة اعتبرها كثيرون عودة الحزب إلى قيادة النخبة الفاسية التقليدية.
اليوم يشغل نزار بركة منصب وزير التجهيز والماء في الحكومة الحالية، إلى جانب قيادته للحزب.
لكن قوة العائلة لا تتوقف عند السياسة فقط، ففي شمال المغرب، هناك بعد آخر للقصة.
ففرع من العائلة ظل مرتبطاً بالرمزية الروحية لجبل العلم، حيث لعب عبد الهادي بركة، عم نزار، دوراً بارزاً بصفته نقيب الشرفاء العلميين والمشرف على ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش لعقود.
كان الرجل شخصية نافذة في المنطقة، يجمع بين المكانة الدينية والعلاقات السياسية، ويشرف على موسم مولاي عبد السلام السنوي الذي يحضره مسؤولون وشخصيات من داخل المغرب وخارجه.
بهذا المعنى، توزعت أدوار العائلة بين مسارين متوازيين؛ مسار سياسي داخل الدولة والحزب، ومسار روحي مرتبط بإرث الشرفاء العلميين.
حتى المسار الانتخابي لنزار بركة يعكس هذه الازدواجية، فالرجل الذي ولد في الرباط ويرتبط بنخب فاس، اختار الترشح في دائرة العرائش، حيث يوجد الامتداد التاريخي للعائلة في جبل العلم، فهناك، يلتقي النسب بالسياسة، والرمزية الروحية بالتمثيل الانتخابي.
اليوم تواجه هذه العائلة، مثل غيرها من العائلات السياسية التقليدية، تحديات داخل حزب الاستقلال نفسه، مع صعود قوى جديدة وأعيان جهويين يحاولون إعادة رسم موازين القوة داخل الحزب.
لكن ما يجعل تجربة “آل بركة” مثيرة للاهتمام هو هذا التوازن بين ثلاث شرعيات: شرعية النسب، وشرعية الحزب، وشرعية الدولة.
ومعلوم انه في المغرب، لا تصنع السياسة دائماً في البرلمان وحده، أحياناً تُصاغ أيضاً في شبكات العائلات، والمصاهرات، وتقاليد النسب.
وهنا، تبدو قصة نزار بركة، صهر الوزير الأول السابق عباس الفاسي وخليفته على رأس الحزب، مثالاً واضحاً على كيفية تحول اسم عائلي إلى جسر بين الجبل والمدينة، بين الزاوية والحزب، وبين التاريخ والسياسة.
وفي الحلقة المقبلة من سلسلة “عائلات المغرب”، سنقترب من عائلة أخرى، لنطرح السؤال نفسه مرة أخرى بصيغة مختلفة؛ هل تصنع العائلات السياسة.. أم أن السياسة هي التي تصنع العائلات؟