لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب (28): “آل بنونة”؛ نفوذ بلا ضجيج.. من تطوان إلى لاهاي

في المغرب، لا يُقاس النفوذ دائماً بحجم الرصيد البنكي، أحياناً يُقاس بعدد الكتب في المكتبة، وبعدد الملفات التي تمر عبر مكاتب مغلقة في لاهاي ونيويورك.

وفي الحلقة 28 من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من عائلة بنونة، الاسم الذي لم يبحث يوماً عن الأضواء، لكنه ظل حاضراً حيث تُصنع القرارات الرمزية: في القضاء، في الدبلوماسية، وفي لحظات تأسيس الدولة.

في تطوان، حيث تختلط الذاكرة الأندلسية بأصداء المتوسط، وُلد هذا الاسم، ليس كلقب عادي، بل كامتداد لطبقة اجتماعية حملت معها ما تبقى من غرناطة: الذوق، النظام، والرهان على المعرفة كأداة للنفوذ.

كتب المؤرخ محمد داود في “تاريخ تطوان” أن بعض الأسر لم تكن فقط تسكن المدينة، بل كانت “تصوغ روحها”، وكانت عائلة بنونة واحدة من تلك الأسر.

لم تبنِ عائلة بنونة مصانع، ولم تملأ السوق بعلامات تجارية، فقد اختارت طريقاً مختلفاً، أن تكون حيث يُكتب القانون، وحيث تُصاغ المواقف، وحيث تُدار المعارك الهادئة.

إذا كانت فاس قد أنتجت “تجار الدولة”، فإن تطوان، عبر “آل بنونة”، أنتجت “مثقفي الدولة”.

القصة تبدأ مع الحاج عبد السلام بنونة، الرجل الذي لم يحمل السلاح، لكنه حمل المطبعة.

في ثلاثينيات القرن الماضي، أسس “المطبعة المهدية”، أول مطبعة عربية في الشمال، وأطلق جريدة “الحياة”، وفتح مدارس حرة في وجه المشروع الاستعماري الإسباني.

في كتاب “أب الوطنية المغربية”، الذي كتبه نجله الطيب بنونة، تتحول دار العائلة إلى ما يشبه “غرفة عمليات”، ففيها تعقد القاءات، وتكتب المراسلات، ويتم التنسيق مع المشرق، خصوصاً مع شكيب أرسلان.

وفي أربعينيات القرن الماضي، حين قرر السلطان محمد الخامس القيام بزيارة طنجة، كان الاستعمار يراهن على تفكيك المشهد، لكن في الشمال، كان هناك من يشتغل في صمت.

“آل بنونة” لم يواجهوا إسبانيا بالبنادق، بل بالبروتوكول، وفرضوا استقبالاً مغربياً خالصاً، حوّل الشوارع إلى عرض سياسي صامت، من خلال أزياء تقليدية، أعلام، وتنظيم دقيق أربك الإدارة الاستعمارية.

في الوقت نفسه، كانت “المطبعة المهدية” تشتغل في الطابق السفلي، توزع منشورات الاستقلال تحت أعين الرقابة.

وبعد الاستقلال، لم تختفِ العائلة، لكنها غيّرت موقعها، وانتقلت من “نضال الشارع” إلى “هندسة الدولة”.

المهدي بنونة أسس وكالة المغرب العربي للأنباء، واضعاً أول لبنة في الإعلام الرسمي للدولة، وهو الذي لم يكن مجرد صحفي، بل كان يشتغل على “صورة المغرب” في الخارج، وكيف يحول المعركة من تحرير الأرض إلى تحرير السردية.

وفي جيل لاحق، يظهر اسم محمد بنونة.. قاضٍ في محكمة العدل الدولية، وسفير سابق في الأمم المتحدة، وواحد من الوجوه القانونية الأكثر حضوراً في الملفات السيادية، وهناك، في لاهاي، لم يعد الاسم يمثل عائلة فقط، بل دولة.

يُروى عنه، في أوساط القانون الدولي، أنه لم يكن يكتفي بالنصوص، بل كان يُدخل “البعد التاريخي” في قراءة النزاعات، لأنه لم يكن مجرد قاضٍ، بل كان، كما يقال، “سفير حضارة”.

بين عبد السلام ومحمد، مسافة زمنية تقارب قرناً، لكن الخيط الناظم واحد: الرهان على المعرفة كأداة نفوذ.

في كتاب “شمال المغرب: من الاستعمار إلى الاستقلال”، يبرز كيف استثمرت العائلة في التعليم والطباعة، بدل التجارة والمضاربة.

وفي دراسات حول الأسر الأندلسية، مثل أعمال عبد الهادي التازي، تُقدَّم بنونة كنموذج لعائلة حافظت على “الأناقة الحضارية”: في المعمار، في الموسيقى، وفي السلوك العام.

ومن نافلة القول أنه داخل النخبة المغربية، لا تُقاس كل العائلات بنفس المعيار، فهناك من يراكم الثروة، وهناك من يراكم الشرعية، و”آل بنونة” اختاروا المسار الثاني.

السؤال هنا ليس فقط: ماذا تملك هذه العائلة؟، بل: ماذا تمثل؟، هل هي عائلة؟، أم مؤسسة غير معلنة؟، أم ذاكرة حية لمرحلة كان فيها المثقف جزءاً من معركة التحرر؟

في المغرب، كما في أماكن أخرى، ليست كل السلطة تُرى، فبعضها يُكتب في الجرائد، وبعضها يُطبع في السر، وبعضها يُحكم به في المحاكم الدولية.

“آل بنونة” لم يكونوا أثرياء بالمعنى الكلاسيكي، لكنهم امتلكوا شيئاً آخر: القدرة على تحويل المعرفة إلى شكل من أشكال السيادة الهادئة.

وفي الحلقة المقبلة، سنقترب من عائلة أخرى، لنعيد السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل يصنع النفوذ الثروة… أم تصنع الثروة النفوذ؟ أم هناك وصفة أخرى؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x