لماذا وإلى أين ؟

خمسة مليارات يورو لحماية الإسبان من لهيب أسعار المحروقات.. ماذا عن المغاربة؟

تضع أزمة أسعار الطاقة العالمية، المتفاقمة جراء التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، الحكومات في حوض المتوسط أمام اختبار حقيقي لـ “عدالة التوزيع” و”نجاعة التدخل”.
وبينما اختارت مدريد والرباط مسارين مختلفين لمواجهة الصدمة، يبرز التباين بين نموذج “الدعم الشامل عبر الجباية” ونموذج “الدعم الفئوي الموجه”، مما يفتح نقاشاً اقتصادياً عميقاً حول من المستفيد الحقيقي من هذه المليارات المرصودة للأزمة.
​في إسبانيا، اعتمدت حكومة “بيدرو سانشيز” مقارنةً أفقية تتجاوز الفوارق الطبقية، من خلال ضخ 5 مليارات يورو في إجراءات تمس صلب المعيشة اليومي لكل مواطن إسباني. فخفض ضريبة القيمة المضافة (TVA) على الغاز والمحروقات ليس مجرد رقم مالي، بل هو إجراء “تلقائي المفعول” يشعر به المواطن مباشرة عند فوهة مضخة الوقود أو عند سداد فاتورة التدفئة.

هذا النموذج يرتكز على فلسفة “الاستحقاق العام”، حيث تعتبر الدولة أن أزمة الطاقة هي عبء جماعي يجب أن تساهم الخزينة العامة في تخفيفه عن الجميع دون تمييز، مما يقلص الهوامش البيروقراطية ويضمن وصول الأثر إلى الاستهلاك النهائي والقدرة الشرائية لجميع الأسر.
​وعلى الضفة الأخرى، اختار المغرب مقاربة “الدعم القطاعي” كدرع وقائي ضد التضخم، من خلال توجيه سيولة مالية مباشرة لمهنيي النقل الطرقي بمختلف فئاتهم.

ورغم أن الحكومة المغربية تبرر هذا الاختيار بكونه وسيلة لضبط أسعار السلع والمواد الأساسية ومنع اشتعال أسعار التنقل العمومي، إلا أن هذه المقاربة تواجه انتقادات حادة تتعلق بـ “حصر الاستفادة”. فالواقع الميداني يشير إلى أن المواطن البسيط، صاحب السيارة الخاصة أو الدراجة النارية، يجد نفسه وحيداً في مواجهة تقلبات الأسعار الدولية دون أي غطاء ضريبي أو دعم مباشر، بينما تذهب المخصصات المالية لجهات محددة قد لا ينعكس دعمها بالضرورة على خفض الأسعار في الأسواق بالشكل المأمول.
​إن المقارنة التحليلية بين النموذجين تكشف عن فجوة في “النجاعة الاجتماعية”؛ فبينما تضمن الإجراءات الإسبانية استفادة عرضية وشاملة تمنح ثقة للمستهلك وتدعم الطلب الداخلي، يظل النموذج المغربي رهيناً بفعالية المراقبة ومدى أمانة الفئات المستفيدة في عكس الدعم على الأسعار النهائية.

ومع استمرار أمد الصراع في الشرق الأوسط وتصاعد الضغوط على ميزانيات الأسر، يبدو أن خيار “التدخل الضريبي الشامل” على الطريقة الإسبانية يطرح نفسه كبديل أكثر إنصافاً ووضوحاً من نظام “الحصص والدعم الموجه” الذي أثبتت التجربة الميدانية في المغرب أنه يترك شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة والفقيرة خارج مظلة الحماية المباشرة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x