لماذا وإلى أين ؟

الوطن لا يُحمى بتخوين أبنائه

محمد الغفري*

في تفكيك خطاب التخوين الذي يحوّل رفض الحرب إلى تهمة سياسية في المغرب

في كل أزمة دولية كبرى، يعاود خطاب التخوين الظهور في المغرب بقوة تفوق أحياناً خطورة الأزمة نفسها. يقسم المجتمع إلى “وطنيين” و”خونة”، “مخلصين” و”عملاء”، وكأن الوطنية أصبحت ملكية حصرية يمنحها البعض ويسحبها عن مخالفيهم.

منذ بدأ العدوان الصهيو امريكي على إيران في 28 فبراير 2026، برزت أصوات في الفضاء العمومي المغربي تتهم كل من يرفض الحرب، أو يتحفظ على الاصطفاف فيها، بأنه “متأيّرن” أو “طابور خامس” أو “خائن للوطن”. هذه ليست مجرد مبالغة بلاغية، بل انزلاق خطير نحو الإقصاء السياسي والتحريض الاجتماعي.

*رفض الحرب موقف مشروع

التاريخ مليء بأمثلة على مثقفين وسياسيين عارضوا حروباً كبرى دون أن يُوصموا بالخيانة. الدعوة إلى السلم، والتحذير من مخاطر الانخراط في صراعات معقدة، قد تكون في كثير من الأحيان تعبيراً عن حرص حقيقي على استقرار الوطن ومصالحه، لا عن ضعف أو تبعية.

المشكلة الجوهرية في خطاب التخوين أنه يرتكب مغالطة قاتلة: تحويل الخلاف السياسي إلى خيانة وطنية. بدلاً من مناقشة الحجج والمصالح الاستراتيجية، يُلجأ إلى نزع الشرعية عن الطرف الآخر عبر وصمه بالعمالة. هكذا يُقتل النقاش الحقيقي قبل أن يبدأ.

*الأخطر: صناعة “عدو داخلي”

عندما يُقدَّم مواطنون مغاربة – فقط لأنهم يعارضون الحرب – على أنهم في خندق العدو، نكون أمام إعادة تعريف إقصائية للوطنية: إما أن توافق على رأيهم ، وإما تُوضع في دائرة الشبهة. هذا المنطق يعيد إنتاج أساليب قديمة ثبت فشلها في حماية الوحدة الوطنية.

الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالحماس للحرب أو المزايدة في العداء، بل بمدى احترام وحدة المجتمع وحق الاختلاف. القوة الحقيقية للدولة تأتي من تعدد الآراء وتنافس الأفكار، لا من صوت واحد يحتكر الحقيقة.

*توظيف الدين في الصراع السياسي

استخدام اللغة المذهبية أو الدينية لتوصيف صراع جيوسياسي يُفاقم الانقسام ويُغذي حساسيات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية. الصراعات الدولية ليست حروباً عقائدية، وتحويلها إلى ذلك لا يخدم إلا التعبئة العمياء.

المغرب، بتنوعه الثقافي وتاريخه السياسي، لا يُدار بمنطق الفرز العقائدي. دستور 2011 يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير، وهذا ليس مجرد نص قانوني، بل ضمانة أساسية للسلم الاجتماعي ومنع الاستقطاب الحاد.

*السؤال الحاسم
من يخدم الوطن أكثر؟

  • المواطن الذي يعبر عن رأيه بحرية، حتى لو خالف الرأي الرسمي أو السائد؟
  • أم الخطاب الذي يُحرّض على تخوين جزء من الشعب وإقصائه من دائرة الوطن؟

التاريخ يعلّم أن المجتمعات التي تتحمل الاختلاف وتدير خلافاتها بالحجة هي الأقدر على الصمود. أما تلك التي تتحول فيها السياسة إلى محاكم تفتيش، فتفتح أبواب انقسامات طويلة الأمد.

*الدفاع عن حرية التعبير دفاع عن الوطن

الدفاع عن حق المغاربة في التعبير عن مواقفهم من الحروب ليس دفاعاً عن طرف أجنبي، بل دفاع عن المجال العمومي المغربي نفسه: مجال مفتوح للنقاش الحر، لا ساحة للاتهامات المتبادلة ولا منصة لفتاوى التخوين.

هذا المبدأ لا يتعارض مع المواثيق الدولية فحسب (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – المادة 19، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، بل يتسق تماماً مع دستور 2011 الذي يكفل حرية الرأي والتعبير. تجريم المواقف السلمية أو التحريض على معاقبة أصحابها يمس جوهر الدولة القانونية والتعددية.

ختاماً

قد نختلف في تقدير المصالح الوطنية في عالم مضطرب، لكن هناك خط أحمر لا يجوز تجاوزه

*فاعل حقوقي

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

5 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زروق
المعلق(ة)
29 مارس 2026 18:56

نعم كل واقف ومصطف مع النظام الإيراني فهو خائن لدينه ووطنه لان النظام الإيراني وفي مراجعه وكتبه وعقيدته يعادي كل من لايؤمن بتوجهاته الدينية والسياسية ناهيك عن الجرائم التي ارتكبها ضد العرب والمسلمون ومنهم المغاربة

سعيد
المعلق(ة)
29 مارس 2026 13:19

للأسف كاتب هذا المقال محمد الغفري تناسى عمدا أن إيران كانت ولا تزال وستظل تعادي الوحدة الترابية للوطن . أليس إيران من درب البوليزاريو . بل منحه السلاح وووو . سؤال لصاحب هذا المقال . لو كان هناك لص يحاول ويخطط ليلا ونهارا لسرقة بيتك والاعتداء عليك وعلى أهلك . هل كنت ستدافع عن هذا اللص إذا وجدته يتعرض للإعتداء ؟ هذا بالضبط ما يحدث لإيران معنا . اللهم أسقط نظام إيران الإرهابي الذي يعادي وطني وأوطان إخواننا في الخليج . وطني هو الأول قبل كل شيء ومن يقول غير ذلك نقول له يا صاحب هذا المقال بأنه خائن بل ويجب معاقبته . إن رفضت هذا التوجه يعني يجب عليك القبول باعتداء اللص عليك وعلى أهل بيتك . وأثناء إعتدائه عليكم يجب عليك أن تشكره على ذلك . هههه

احمد
المعلق(ة)
29 مارس 2026 11:50

لغة التخوين تنم عن قصور في فهم الديمقراطية وفي تدبير الخلاف، وهي تعكس قصورا ايضا في تصور معنى الوطن،وينم عن تراجع خطير في التاطير السياسي وفي تنوع النقاش العمومي، وهو ما يخلف جيلا من الناس لهم بعد واحد في الفهم، ومهيئون ليكونو وقودا للدعاية الرخيصة، وإشعال الفتن، وتوزيع الاتهامات، وهو ما يضعف المناعة الفكرية، ولا يحصن حرية الاختيار، ويصبح هذا الوضع مع الزمن خطيرا على الدولة وعلى المجتمع على حد سواء، ولذالك فإن مفتاح الخلاص لتجاوز هذه المعظلة هو التشبع بالديمقراطية وباحترام الرأي والرأي المخالف كأعلى قيمة انتجتها الانسانية في العصر الحديث.

Mohamed
المعلق(ة)
29 مارس 2026 11:47

الطابور الخامس مأجور وخاءن،يعمل ضد الوطن ويتآمر ضد الوطن

عزيز
المعلق(ة)
29 مارس 2026 00:10

ما يشكل خطر على الوطن هو الوقوف والدفاع عن دولة أو كيان يعادي الوطن ويحارب مصلحه ومصالح الشعب المغربي

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

5
0
أضف تعليقكx
()
x