لماذا وإلى أين ؟

البراق: تسريبات “جبروت” تستهدف انتخابات شتنبر والصمت الرسمي يغذّي “سردية الشك” (حوار)

تواصل صفحة تدعى ”جبروت” على منصة “تيلغرام” إثارة الكثير من اللغط، وسط تساؤلات حول الدوافع الحقيقية الكامنة وراء تحركاتها في هذا التوقيت بالذات.

وقد عادت الصفحة لنشر وثائق ومعطيات تستهدف شخصيات وقادة أحزاب سياسية؛ حيث انتقل الأمر مؤخرا إلى حزب الاستقلال، بدءا من نزار بركة وصولا إلى الشخصيات النافذة في الحزب بالأقاليم الجنوبية للمملكة، وذلك بعد أن كان حزبي الأصالة والمعاصرة (البام) والتجمع الوطني للأحرار، وبعض قادته هدفا لها في وقت سابق.

ويطرح التسريبات تساؤلات حارقة حول دوافعه، خصوصا وأنه يتزامن مع استعداد المغرب لدخول غمار الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها هذا الصيف.

في هذا الحوار مع جريدة ”آشكاين” يكشف المحلل والباحث السياسي، البراق شادي عبد السلام، سياق هذه التسريبات وما إذا كان لها ارتباط بالحسابات قبيل الانتخابات، وغيرها من الأسئلة المحيطة بالقضية:

كيف يمكن قراءة السياق الجيوسياسي الذي تندرج ضمنه هذه التسريبات في ظل التحولات الراهنة؟

تندرج هذه العمليات في سياق الجيل الرابع للحروب العابرة للحدود، التي تستهدف تقويض الثقة بين المواطن والمؤسسات السيادية، حيث يتزامن تصاعدها مع النجاحات السيادية الحاسمة التي يحققها المغرب في ملفات استراتيجية كبرى. وتعمل هذه التسريبات كأداة للضغط النفسي والسياسي عبر تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للصراع المعلوماتي، مستغلة تدفق البيانات لتوجيه الرأي العام نحو قضايا فرعية تخدم أجندات خارجية تهدف لزعزعة الاستقرار الوطني ومحاولة فرملة الصعود الجيوسياسي للمملكة. ولكي نحدد المنطلقات بوضوح، في غياب نفي أو تأكيد رسمي فإن المعطيات التي تقدمها مجموعة جبروت والجهات التي تقف وراءها تظل محل شك وجزء من مؤامرة كبرى تستهدف استقرار الدولة بشكل أساسي قبل التمترس خلف شعارات فضح الفساد والتبليغ عنه.

كما أن التوقيت يمثل محاولة يائسة لـ استهداف البنية الرقمية للمملكة واختراق سيادتها المعلوماتية وإيهام المتلقي بوجود ثغرات بنيوية في المنظومة الأمنية، مما يجعل من هذه العمليات وسيلة لابتزاز الدولة في لحظات تاريخية فارقة. ويتم ذلك من خلال تحويل المعطيات التقنية إلى وقود لحرب نفسية شاملة، تستهدف تماسك الجبهة الداخلية وقوة الردع المعنوي للمؤسسات، وهو ما يؤكد أننا أمام مخطط استخباراتي متكامل الأركان يتجاوز في أهدافه منطق القرصنة العارضة ليصل إلى مستوى التهديد الوجودي للأمن القومي.

إلى أي حد تخدم هذه التسريبات أجندة تصفية الحسابات السياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؟
يعد الربط بين تصاعد التسريبات والانتخابات المقبلة مؤشر قوي على الرغبة في إرباك المشهد السياسي وتوجيه الكتلة الناخبة نحو مسار معين عبر استهداف نخب تدبيرية و شخصيات سيادية بعينها، مما يحول هذه البيانات إلى سلاح في معركة تصفية الحسابات وإضعاف الثقة في النماذج الحزبية. ويهدف هذا النهج إلى خلق حالة من التوجس الشعبي تجاه المؤسسات المنتخبة، في محاولة التأثير المسبق على توازنات الخارطة السياسية القادمة من خلال ضرب صدقية البرامج الاجتماعية والاقتصادية المنجزة من طرف الفاعل المؤسساتي.
ومع ذلك، فإن التعامل مع نتائج هذه التسريبات يظل محفوف بالريبة في ظل غياب تفاعل مؤسساتي حاسم يقدم رواية تقنية رسمية تفند هذه الادعاءات بشكل قطعي. فاستغلال الفراغ التواصلي يمنح هذه المنصات المجهولة القدرة على فرض “سردية الشك”، ويجعل من الصمت الرسمي والحزبي المطبق وقود لإدامة الجدل الإعلامي، مما يضع الأحزاب السياسية ولجان الأخلاقيات داخلها أمام مسؤولية تاريخية لتطهير بيتها الداخلي و إطلاق تحقيقات داخلية و منع تحول الثغرات المرتبطة بفساد أشخاص بعينهم إلى نقاط ضعف تهدد سلامة و صدقية العملية السياسية و النتائج الدستورية المرتبطة بها .

ما هي الخلفيات الاستراتيجية الكامنة وراء الانتقائية في استهداف الشخصيات وتباين ردود أفعالها؟
يرتكز استهداف شخصيات سيادية ورموز محددة دون غيرها على استراتيجية “الاغتيال الرمزي” والانتقائية الموجهة لتعظيم الأثر الإعلامي، حيث يتم التركيز على شخصيات ذات ثقل في صناعة القرار أو تدبير القطاعات الاستراتيجية لكسر الهيبة المؤسساتية وإحداث صدمة نفسية لدى الرأي العام، حيث تندرج ضمن محاولات عزل الكفاءات الوطنية وإحراجها أمام القاعدة الشعبية.

وتسعى هذه الانتقائية لضرب التماسك داخل مراكز القرار وإضعاف القدرة على التدبير الهادئ للملفات الكبرى من خلال استهداف البنية الرقمية للمملكة. وبالتالي فالتعامل مع هذه الهجمات يظل يتسم بنوع من الارتجالية طالما لم تقدم الجهات المعنية قراءة قانونية وتقنية مضادة تحمي كرامة الأشخاص وهيبة المؤسسات، وهو ما يجعل الحقيقة ضحية أولى في مواجهة محتويات موجهة تهدف إلى تحويل المسؤولين إلى رهائن للاستنزاف الأخلاقي المستمر ضمن صراع الإرادات الإقليمي.

البراق شادي عبد السلام

هل يعكس حجم الضجيج الإعلامي الذي أحدثته هذه التسريبات اختراق فعلي لأجهزة الدولة السيادية، أم أننا أمام استهداف لقطاعات موازية تُستغل للإيحاء بضعف المنظومة الأمنية؟
يرتكز التحليل التقني الرصين لهذه النازلة على معطى أساسي مفاده من خلال معرفة مهنية سابقة أن المعطيات الاستراتيجية للدولة المغربية تظل في أمان تام ومحصنة داخل منظومات دفاعية سبرانية عالية التعقيد، بينما انصب الاستهداف الفعلي على خوادم مرتبطة بالتوثيق العقاري والمنصات الرقمية المرتبطة به، بالإضافة إلى جزء من خوادم منفصلة لبيانات من صندوق الضمان الاجتماعي في مرحلة سابقة. إن اختيار هذه القطاعات بالتحديد يأتي لكونها تشكل حلقة وصل تضم بيانات تعاقدية وعقارية للأفراد، مما يمنح الجهات التي تقف وراء “جبروت” مادة دسمة للإيحاء الكاذب باختراق مؤسسات الدولة السيادية.

إن الواقع يؤكد أن بنية المعلومات الحساسة لم تُمس، وأن الغرض هو خلق “صدمة معلوماتية” عبر واجهات خدماتية موازية للإيحاء بضعف البنية الرقمية للمملكة. ولكي نحدد المنطلقات بوضوح، في غياب نفي أو تأكيد رسمي فإن هذه المعطيات تظل محل شك وجزء من مؤامرة كبرى تستهدف استقرار الدولة. إن حصر الاختراق في قطاعات موازية يثبت قوة المنظومة الدفاعية السيادية، ويحول مجهودات الخصوم ضمن الجيل الرابع للحروب إلى مجرد دعاية سوداء تفتقر للعمق الاستراتيجي.

ما هي المؤشرات التي تؤكد وقوف أطراف خارجية وأجهزة استخباراتية وراء هندسة هذه التسريبات؟
تؤكد المعطيات الفنية والتقنية واللوجستية وقوف أطراف خارجية وأجهزة استخباراتية إقليمية وراء هذه المجموعة، بالنظر إلى طبيعة البيانات الضخمة المسربة التي تتطلب قدرات نفاذ سبرانية لا تملكها إلا دول أو كيانات ذات موارد ضخمة ومستدامة ضمن مفاهيم الجيل الرابع للحروب. وينكشف البعد الخارجي بوضوح من خلال التماهي المطلق بين محتوى التسريبات والأجندات المعادية التي تتبناها عواصم معينة تسعى لعرقلة الريادة الإقليمية للمغرب.

ومن ثم، فإن الربط المنطقي بين توقيت الهجمات والأهداف الجيوسياسية للخصوم يرفع سقف التأكيد على أن “جبروت” ليست سوى واجهة تقنية لصراع أعمق يستهدف المناعة الوطنية عبر استهداف البنية الرقمية للمملكة واستهداف شخصيات سيادية محددة. ومع ذلك، فإن التعامل مع تداعيات هذا الاختراق يظل محل تساؤل طالما لم يتم الانتقال من وضعية الدفاع إلى مرحلة الهجوم المضاد الذي يكشف الجهات المخططة بالدليل المادي، ويغلق ملف التوجس المتعلق بأمن المعطيات الشخصية والسيادة المعلوماتية للمملكة بشكل نهائي ورادع.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x