2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
حكاية البام: حين عجزوا عن إسقاط المشروع.. انتقلوا إلى اغتيال الرموز !؟
محمد المتوك
في سياق التحولات السياسية والمؤسساتية العميقة التي يشهدها المغرب، وما تفرضه من إعادة مساءلة أدوار الفاعلين الحزبيين ووظائفهم داخل البناء الديمقراطي، يبرز إلى الواجهة سؤال بالغ الحساسية يتعلق بطبيعة الممارسة السياسية وحدود الاختلاف المشروع داخل الفضاء العمومي. ذلك أن المتتبع الموضوعي لتطور المشهد الحزبي الوطني لا يمكنه إلا أن يتوقف عند حالة سياسية استثنائية، تتجلى في حجم الاستهداف الممنهج الذي طال حزب الأصالة والمعاصرة منذ إرهاصاته الأولى، بصورة غير مسبوقة في التاريخ السياسي المغربي الحديث، سواء من حيث حدة الحملات، أو استمراريتها، أو تعدد أدواتها وواجهاتها.
فمنذ اللحظات الأولى لانطلاق اللقاءات التشاورية التي هدفت إلى بناء جبهة وطنية للحداثيين والديمقراطيين، انطلقت بالموازاة معها حملات التشكيك والتخوين ومحاولات الإجهاض الرمزي والسياسي لمشروع لم يكن قد رأى النور بعد. ولم يكن الأمر مرتبطا بأشخاص أو مواقع تنظيمية بقدر ما كان موجها ضد فكرة سياسية قائمة على إعادة التوازن إلى الحقل الحزبي، واستعادة الثقة في المؤسسات الوسيطة، في لحظة اتسمت بارتفاع منسوب العزوف السياسي وتراجع المشاركة الانتخابية، خصوصا عقب محطة 2007 التي شكلت آنذاك مؤشرا مقلقا على أزمة الوساطة الحزبية واتساع المسافة بين المواطن والفعل السياسي.
فالجميع يتفق أن الحزب ولد في سياق وطني دقيق، حاملا مشروعا سياسيا حداثيا ديمقراطيا يراهن على تجديد النخب، وترسيخ قيم الدولة الاجتماعية، وتقوية المؤسسات، وربط السياسة بأسئلة التنمية والعدالة المجالية والكرامة الاجتماعية. ومنذ تأسيسه، اختار التموضع داخل منطق المعارضة المؤسساتية، ملتزما بقواعد التنافس الديمقراطي وآليات الاشتغال الدستوري، ولم تتح له ممارسة المسؤولية الحكومية إلا خلال الولاية الحالية، التي تشكل أول تجربة فعلية له في تدبير الشأن العام والمساهمة المباشرة في صناعة القرار العمومي.
غير أن ما يثير القلق اليوم، ليس فقط استمرار الاستهداف السياسي للحزب وقياداته، بل طبيعة التحول الذي عرفته أدوات هذا الاستهداف، بعدما انتقل من مستوى الخصومة السياسية التقليدية إلى فضاءات يفترض فيها الانتصار لقيم المهنية والحياد والموضوعية. إذ أصبح من الملاحظ، في كثير من الأحيان، توظيف جزء من السلطة الرابعة ” الصحافة” في معارك الاصطفاف والتشهير وإنتاج الأحكام المسبقة، بدل الاضطلاع بدورها الدستوري والأخلاقي في الإخبار الرصين وممارسة النقد المسؤول.
إن خطورة هذا المنحى لا تكمن فقط في استهداف حزب سياسي بعينه، بل في ما يطرحه من أسئلة عميقة حول أخلاقيات الممارسة الإعلامية وحدود التداخل بين الحق في النقد وبين الانخراط في حملات منظمة للتأثير والتوجيه والتشهير. فالصحافة، باعتبارها إحدى ركائز البناء الديمقراطي، لا تقاس فقط بقدرتها على الإثارة وصناعة العناوين، بل بمدى التزامها بقواعد الإنصاف والتوازن واحترام قرينة البراءة والتمييز بين الخبر والرأي، وبين النقد المشروع والتصفية الرمزية.
لقد كان المنتظر، في إطار النقاش الديمقراطي السليم، أن يتم تقييم أداء وزراء الحزب وحصيلتهم الحكومية وبرامجهم العمومية بمنطق المحاسبة السياسية والمؤسساتية، غير أن جزءا من الخطاب السائد اختار الانزلاق نحو شخصنة الصراع، وتحويل الاختلاف السياسي إلى محاولات للاغتيال المعنوي، في صورة توحي بأن البعض، بعدما عجز عن مواجهة المشروع سياسياً وفكرياً، انتقل إلى محاولة تقويضه عبر استهداف رموزه وقياداته.
وإذا كان الاختلاف السياسي حقا مشروعا، بل ضرورة صحية لأي ديمقراطية حقيقية، فإن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا الاختلاف إلى نزعة إقصائية تستبطن رفض وجود الآخر السياسي، وتستعيض عن منطق التنافس البرامجي بمنطق التشويه والتخوين والتعبئة العدائية. وهو ما يطرح، بعمق، سؤال النضج الديمقراطي وحدود احترام التعددية السياسية داخل المجتمع.
لقد أثبت حزب الأصالة والمعاصرة، رغم كل ما تعرض له من حملات و استهدافات، أنه مكون أساسي داخل المعادلة السياسية الوطنية، وأن حضوره لم يكن نتاج ظرفية عابرة، بل امتدادا لتحولات مجتمعية وسياسية عميقة جعلت منه فاعلا مؤثرا في الحياة العامة. كما أثبتت التجربة أن الأحزاب الجادة لا تقاس بكمية ما يوجه إليها من حملات، بل بقدرتها على الصمود والاستمرار وتجديد خطابها والانخراط في خدمة قضايا الوطن والمواطنين.
لا غرو أن المغرب، وهو يواصل ترسيخ مساره الديمقراطي والتنموي، في حاجة اليوم إلى تعاقد أخلاقي وسياسي جديد، يؤمن بأن قوة الدولة لا تبنى بإضعاف الأحزاب الوطنية أو شيطنة الفاعلين السياسيين، بل بتقوية المؤسسات، واحترام التعددية، وصيانة أخلاقيات الاختلاف، وترسيخ إعلام مهني مستقل يمارس النقد بمسؤولية، بعيدا عن منطق الاصطفاف والتشهير. لأن الديمقراطيات الحقيقية لا تُقاس فقط بوجود المؤسسات، بل بمدى احترام قواعد التنافس الشريف وصيانة الكرامة السياسية والمعنوية للفاعلين داخل الفضاء العمومي.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها