لماذا وإلى أين ؟

هل تطلق احتجاجات تونس شرارة ربيع عربي جديد؟.. باحثان يجيبان

احتلت تونس واجهة الأحداث والعناوين الرئيسية لنشرات الأخبار في الأيام الأخيرة، مع تصاعد الاحتجاجات المطالبة برحيل الرئيس قيس سعيد، على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع الخدمات العامة، وانحسار المناخ الديمقراطي، وسط دعوات من قوى المعارضة إلى “استعادة الديمقراطية” والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وفي الوقت الذي كان فيه المهتمون وصناع القرار في المنطقة يتابعون تطورات الأحداث، أعادت هذه التطورات إلى الأذهان مشاهد الاحتجاجات التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي في يناير 2011، ما يثير التساؤل حول ما إذا كانت البلاد تقف أمام موجة جديدة من “الربيع العربي” يمكن أن تشعل المنطقة، أم أن الأمر يتعلق بحراك احتجاجي محدود تحكمه ظروف مختلفة.

وفي قراءة لتطورات المشهد التونسي، يرى الأستاذ الجامعي المهتم بالحركات الاحتجاجية، الحبيب استاتي زين الدين، أن “القراءة العلمية للاحتجاجات التي تعرفها تونس تقتضي الابتعاد عن الأحكام الانفعالية أو المقارنات السريعة مع أحداث سنة 2011″، معتبرا أنه “لا يجوز اعتبار كل موجة احتجاج مقدمة حتمية لما يسمى ‘ربيعا عربيا’ جديدا، كما لا يجوز، في المقابل، التقليل من دلالاتها السياسية والاجتماعية”.

وأوضح استاتي زين الدين، في تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن الاحتجاجات الحالية تعكس، بالدرجة الأولى، “تراكم اختلالات اقتصادية واجتماعية وخدمية”، تفاقمت بسبب “أزمة الكهرباء والمياه وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية”، إلى جانب “حالة من الاستياء تجاه أداء المؤسسات العمومية وإدارة الشأن العام”.

وأكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض على ضرورة التمييز بين الاحتجاج الاجتماعي واللحظة الثورية، موضحا أن “الاحتجاج هو تعبير عن مطالب أو رفض لسياسات معينة، بينما تتطلب الثورة توافر شروط أكثر تعقيدا، منها انقسام النخب الحاكمة، وتماسك المعارضة، واتساع قاعدة التعبئة الاجتماعية، ووجود قيادة قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي بديل”، مضيفا أن “المعطيات المتاحة لا تشير إلى تحقق هذه الشروط مجتمعة في الحالة التونسية، رغم اتساع دائرة السخط الشعبي وتزايد الانتقادات للمسار السياسي القائم”.

واعتبر صاحب كتاب “الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية” أن الحديث عن “ربيع عربي” جديد “يبدو سابقا لأوانه”، مبرزا أن المنطقة العربية سنة 2026 “تختلف جذريا” عما كانت عليه سنة 2011، بعدما اكتسبت الأنظمة السياسية “خبرة أكبر في إدارة الأزمات والاحتجاجات”، كما أصبحت المجتمعات “أكثر إدراكا للكلفة السياسية والاقتصادية التي قد تترتب على الانتقالات غير المضبوطة”، فضلا عن اختلاف السياقين الإقليمي والدولي.

وبخصوص احتمال انتقال الحراك إلى دول أخرى، من بينها المغرب، شدد استاتي زين الدين على أن “ما يعرف بعدوى الاحتجاج ليس قانونا عاما، بل ظاهرة مشروطة بتشابه البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبمدى وجود مظالم مشتركة وآليات تعبئة فعالة”، مشيرا إلى أن اختلاف طبيعة الأنظمة السياسية ومستوى الشرعية وقدرة المؤسسات على امتصاص المطالب “يجعل استنساخ التجربة التونسية في بلدان أخرى أمرا غير محسوم”.

وفي ما يتعلق بالحالة المغربية، أبرز المتحدث ذاته أن “التغيير يتجسد في إطار الاستمرارية”، معتبرا أن خصوصيات المغرب “المؤسساتية والسياسية والاجتماعية” تجعل من الصعب إسقاط الحالة التونسية عليه، لأن أي احتجاجات محتملة “ستتحدد أساسا بالعوامل الداخلية المغربية، وبمدى تطور دينامياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وليس بمجرد تأثير ما يجري في دولة مجاورة”، مستحضرا أن “التاريخ السياسي المقارن يعلمنا أن انتقال الأفكار أسهل بكثير من انتقال الثورات”.

ونبه استاتي إلى أن ما تشهده تونس “يمثل مؤشرا على استمرار هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وعلى وجود فجوة متنامية بين المطالب المجتمعية وأداء السلطة”، لكنه “لا يكفي، في المرحلة الراهنة، للقول إن المنطقة مقبلة على موجة ثانية من الحراك العربي”، داعيا إلى التعامل مع هذه التطورات باعتبارها “إنذارا سياسيا واجتماعيا يستوجب المتابعة العلمية الدقيقة، دون الوقوع في حتمية التفاؤل الثوري أو حتمية الاستقرار الدائم”.

من جهته، يرى الناشط المهتم بالحركات الاحتجاجية وأحد المشاركين في حراك 20 فبراير، خالد البكاري، أن “الوضع في تونس ما زال ضبابيا من حيث مآلاته”، موضحا أن الحركة الاحتجاجية الحالية، رغم أنها “تتميز بمشاركة لافتة للنساء والشباب”، فإنها “لم تصل إلى استقطاب زخم جماهيري كبير يوازي ذلك الذي عرفته الحركة الاحتجاجية التي أعقبت وفاة البوعزيزي”.

وأضاف البكاري، في تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن الاحتجاجات “لا تعرف انتشارا مجاليا”، إذ إن “فعالياتها الكبرى تكاد تكون مقتصرة على العاصمة”، كما أن “ردود فعل المؤسستين الأمنية والعسكرية غير واضحة إلى حدود الآن، إذ لم تلجآ إلى القمع العنيف كما حدث في احتجاجات سابقة، ولم يصدر عنهما ما يشي بأنهما ستتدخلان لحماية مؤسسة الرئاسة”.

ورغم ذلك، اعتبر المتحدث ذاته أن الحراك الحالي يحمل دلالات سياسية مهمة، لأنه “نجح في اختراق مساحات الخوف التي سيّج بها النظام حركة الشارع لمدة سبع سنوات”، مبرزا أن المشهد يتسم أيضا بـ”ارتباك واضح في ردود فعل الرئاسة والحكومة”، إلى جانب “غموض حول موقف المؤسستين الأمنية والعسكرية”، فضلا عن غياب مواقف دولية واضحة، خلافا لما حدث سنة 2011.

وفي قراءته للمواقف الإقليمية، أشار البكاري إلى أن “الاستثناء مثله الموقف الجزائري الذي أعلن دعمه اللامشروط للرئيس التونسي”، معتبرا أن هذا الموقف “يمكن أن يؤدي إلى المزيد من الاحتقان، ويمكن أن يدفع مجموعات أخرى إلى الالتحاق بالحركة الاحتجاجية”، لأنه “يحمل، في أحد أوجهه، نوعا من الاحتقار ليس فقط للشعب التونسي، بل حتى لمؤسساته، بما فيها مؤسسة الرئاسة”.

وبخصوص احتمال تكرار سيناريو إسقاط النظام كما حدث قبل أكثر من 15 سنة، دعا البكاري إلى التريث، مضيفا: “علينا أن ننتظر مجريات ما سيقع في الأيام المقبلة بخصوص ازدياد زخم الاحتجاج أو تراجعه، لأن الكتلة المحتجة حاليا لم تصل أعدادها إلى المستوى الذي يمكن أن يهدد منصب الرئاسة، إلا إذا تدخلت المؤسسات الأمنية والعسكرية لنزع فتيل الأزمة عبر دفع الرئيس إلى الاستقالة”.

وفسر الناشط المغربي محدودية التعبئة الحالية بأن “عدم قدرة الحركة الاحتجاجية، إلى حدود الآن، على استقطاب جمهور واسع لا يعود إلى شعبية الرئيس أو شرعيته، بل إلى الإحباط الذي يشعر به الشارع التونسي من أي احتجاج قد يتحول إلى ما يشبه الثورة الشعبية”، وهو إحباط، بحسب قوله، نتج عن “مخلفات المرحلة التي أعقبت إسقاط نظام بن علي، وما رافقها من صراعات على السلطة، وتردي الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، وتحول تونس إلى محطة للتدخلات الخارجية”.

ولا يقتصر الاهتمام بهذه التطورات على الداخل التونسي، إذ تحظى بمتابعة واسعة في المغرب، بالنظر إلى ما تمثله تونس من إحدى أبرز محطات الربيع العربي، وإلى الروابط السياسية والفكرية التي تجمع فاعلين من البلدين، فضلا عن كون عددا من النشطاء المغاربة يستحضرون باستمرار التجربة التونسية عند مناقشة ديناميات الاحتجاج والتحول الديمقراطي في المنطقة.

وفي هذا السياق، يرى البكاري أن “المعارضة التونسية مطالبة بفهم الشعور الجماعي للشعب التونسي، وبناء خطاب قادر على الإجابة عن هذه المخاوف”، مؤكدا أن “إمكانيات تكرار ما حدث في 2011، سواء في تونس أو غيرها، تبدو مستبعدة إلى حدود اللحظة”، لكنه استدرك بأن ذلك “لا ينفي وجود مبررات وشروط موضوعية لانفجار الأوضاع عبر حركات احتجاجية فئوية ومجالية أكثر منها ذات امتداد ترابي واسع”.

وشدد البكاري على أن احتمالات التغيير لا تزال قائمة، لكنها “ستنحو نحو التفكيك المتدرج أكثر منه الهبات الشعبية واسعة الانتشار والامتداد الترابي”، في إشارة إلى أن المنطقة قد تشهد أشكالا جديدة من الضغط السياسي والاجتماعي تختلف عن النموذج الذي طبع موجة الربيع العربي سنة 2011.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x