2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
د.عبد الوهاب تدمري
من مقولة “الحكم بالحق الإلهي الأزلي”
إلى” الحكم بحق الاله الفاني” .هكذا اختصر طوماس هوبس نظريته لعلم السياسة . الذي أسسه على ثلاثة عناصر أساسية ألا وهي الحالة الطبيعية ، الحق الطبيعي ، والعقد الاجتماعي والسيادة.
وعندما نفكك ما جاء به من أفكار التي تبدو رجعية بالنظر إلى ما جاء به باقي فلاسفة العقد الاجتماعي الذين أتوا من بعده كجون جاك روسو وجون لوك الخ… و نستحضر في المقابل واقعنا السياسي والاجتماعي الحالي الذي طغت فيه المصلحة الشخصية على المصلحة العامة .وانتشر فيه الفساد و التملق السياسي. وأصبحت فيه السياسة حرفة للاسترزاق والإثراء الغير المشروع. وكثر فيه النفاق و فقدت القيم الاخلاقية والانسانية. وأصبح الفرد يخشى من ظله ومن هم من حوله ،يبدل في قناعاته ومبادئه كما تستبدل الثياب الداخلية . وأصبحت الوعود الانتخابية الكاذبة وسيلة مشروعة لتحقيق غاياته. وأصبح الفرد كما قال هوبز سجينا لاهوائه التي حددها في الغضب والحب والشهوة والشجاعة الخ… وهي كلها أهواء فردية تحركها الرغبة في الإثراء و التسلط على حساب الآخرين بعيدا عن كل حس أخلاقي، او تحسبا لأي مصلحة عامة. وهو ما يعتبر في نظره ممارسة لحق طبيعي تفرضه الحالة الطبيعية الأولى للإنسان. بل حتى نزعته للتقرب للآخرين حسب هوبز فهي لا تنبع من سلوك اجتماعي صرف للتنظيم .بل فقط من أجل حماية نفسه وانانيته وحماية مصالحه الشخصية. بل وفي سياق بحثه عن العدل والحماية من الظلم حين يستقوي ،فأنه ينتظم في مجموعات صغيرة أو كبيرة تمثله / الشعب/ الدولة ليؤسس بذلك تعاقد يتنازل من خلاله عن الحق الذي تخوله له الطبيعة الاولى في استعمال العنف الفردي، لصالح جهاز اعلى واقوى يمارس عنفا شرعيا عبر بسط سيادته على الجميع هو الدولة التنين. التي حتى وإن مارست الظلم فلا حق للفرد في الاعتراض او الشكوى، لأنه في هذه الحالة كمن يشتكي على نفسه.
على الرغم من أن طوماس هوبز كان متأثرا بواقع انجلترا التي كانت تعيش مرحلة اضطرابات سياسية واجتماعية وحروب أهلية .إلا أنه وعلى عكس ما يبدو عليه واقعنا ظاهريا من سلم اجتماعي هش . فإن ما يخترقه من مظاهر الانفلات الأخلاقي و طغيان النزعات الفردية والانتهازية السياسية التي تنساق وراء الأهواء والرغبات الفردية بعيدا عن أي اعتبار للمصلحة العامة .تعد كلها من سمات الحالة الطبيعية الأولى التي وصفها هوبز ، و التي لا يختلف في شأنها أغلب فلاسفة العقد الاجتماعي لتلك المرحلة. اللهم في ما يخص الاستعداد من عدمه للانتقال الإنسان في علاقته بالآخرين ، من الحالة الحيوانية إلى الحالة المدنية. ومن النزعة الفردية إلى الصالح العام التي يرى كل من روسو وجون لوك أنها ممكنة. في حين يعدمها صامويل هوبز الذي رأى أن وضع الناس لا يستقيم إلا بوجود حاكم مستبد.
وما يجعلنا كذلك أقرب إلى تشخيص هوبز من ما طرحه بعض منظري فلسفة العقد الاجتماعي واخص بالذكر الفيلسوف جون لوك وجان جاك روسو .هو أن ما جاء به “اللفياثان “عند هوبز الذي يدعو إلى تنازل الفرد الحيوان عن حقوقه لصالح الدولة وطاعته لها يجب أن تكون مطلقة ، هو ما ينسجم و واقعنا السياسي والاجتماعي الذي تنتشر فيه الكثير من مظاهر العبودية والطاعة اما لاسباب دينية او سياسية او اقتصادية. او اسباب اخرى تمليها الحاجة الفردية في التملق والتقرب من السلطة . لأن ما طرحه كل من روسو و جون لوك في مسألة العقد الإجتماعي وما يشترطه الميثاق من جود إنسان قابل للانتقال من المرحلة الطبيعية الحيوانية إلى المرحلة المدنية. وأن يمارس حقوقه كإنسان حر لا يخضع إلا لنفسه وما تمليه المصلحة العامة .و ان السلطة يجب أن يكون مصدرها الشعب الحر الذي لا يرضى بالاستبداد الذي يدعو إليه هوبز، هو أمر لا أراه ينطبق على واقعنا مع الأسف الذي يعتبر أفراده رعايا وخدام للدولة قبل أن يكونوا مواطنين ،
إذن وأمام هذا والواقع السياسي والاجتماعي الذي يكثف كل صفات الحالة الطبيعية والحيوانية الأولى للإنسان . وأمام ما نشهده من ممارسات سياسية واجتماعية خاضعة للأهواء والرغبات الفردية والجماعية . واستعداد الفرد لأن يصبح عبدا في سبيل تحقيق مصالحه ولو على حساب كرامته وحريته دون أي اعتبار لشيء يسمى الصالح العام أو المصلحة العامة. فهل لا زال ممكنا الحديث عن جدوى كل هذه المؤسسات الوسطية والتمثيلية؟ . ام ان واقعنا السياسي والاجتماعي الحالي الذي تراجع بشكل خطير في منظومته القيمية والاخلاقية ، بعد أن تم تفكيك كل ادواته التنظيمية التقليدية والقبلية التي كانت رادعا للفرد في تسلطه. وضامنة في نفس الآن لحقوقه في إطار مصلحة الجماعة. لأن تفكيك هذه البنيات رغم كونها تقليدية دون بناء بديل حضاري جديد يستند لدولة الحق والقانون ،هي التي أدت إلى عودة الإنسان إلى حالته الطبيعية الأولى. وهو ما جعل كذلك واقعنا الاجتماعي والسياسي يسير عكس الواقع الذي نظر له كل من جان جاك روسو و جون لوك الذين دافعوا عن الطبقة البرجوازية والقيم الليبرالية ضدا على الملكيات المستبدة .وذلك في إطار عقد اجتماعي أساسه حرية الفرد والأفراد حيث يكون الشعب مصدر السلطة . وذلك في محاولة للارتقاء بالمجتمع من حالته الطبيعية الأولى إلى المدنية .والحكم من طبيعته الاستبدادية إلى الدولة الضامنة للحقوق والحريات. بالتالي فإن التراجع الذي يشهده مجتمعنا على مستوى القيم. وانتشار العنف والنزاعات الفردية والمصلحية. و تغييب كلي للصالح العام بعد تفكيك بنياته التقليدية الضابطة لسلوك الأفراد والجماعات. يجعلنا أقرب إلى تشخيص طوماس هوبز المعروف بتشبثه بالملكية . والى ما طرحه من مخارج للوضع الذي عاشه قبل مائة عام من من جاؤوا بعده من فلاسفة العقد الاجتماعي . معتبرا الدولة المستبدة هي الوسيلة الأمثل لكبح جماح الفرد عن طبيعته الحيوانية الغير القابلة للتحضر إلا بوجود سلطة قاهرة.
أمام ما نشهده إذن من أوضاع اجتماعية وسياسية تحيلنا على الطبيعة الحيوانية الأولى للإنسان ، و دون الخوض في أسباب هذا التراجع الخطير في منظومة القيم المجتمعية بعد تفكيك البنيات التقليدية والقبلية ،على علتها، التي كانت تؤمن للفرد حمايته ضمن إطار المصلحة الجماعية وفق منظومة من القيم والقوانين المؤطرة لسلوك الفرد والجماعة .وذلك دون أن تجد الدولة بدائل حضارية ومجتمعية اخرى قادرة على الارتقاء بالإنسان والمجتمع إلى حالة من التحضر ضمن إطار دولة الحق والقانون. فإن ما نشهد عليه من استماتة الدولة في الاستمرار على تجديد مؤسسات تمثيلية فارغة وفاسدة . همها الوحيد هو توزيع الغنائم والامتيازات على أفرادها ،ما هو إلا إهدار للمال العام مع الإبقاء على مزيد من الفساد الذي سينخر الحكم والمجتمع معا ويهدد بالافلاس التام للدولة .وان الوضع السياسي والاجتماعي الذي وصلنا إليه لا يمكن معالجته إلا بحل هذه المؤسسات .والدخول في مرحلة انتقالية ، حتى وإن تطلبت حكما استبداديا شريطة ان يكون عادلا .مع العمل إعادة بناء المجتمع أفرادا وجماعات في إطار مشروع مجتمعي تجديدي متكامل. مع إصلاح جذري للمشهد السياسي والحزبي وإعمال مبدأ المحاسبة المسؤولة وعدم الإفلات من العقاب في إطار دولة الحق والقانون.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها