لماذا وإلى أين ؟

تبادل اتهامات “جنائية” بين المرشحين.. تدافع ديمقراطي أم تأزيم للمشهد؟ (خبير يُجيب)

اتهامات وتصريحات حادة وذات حمولة جنائية رافقت الخرجات والمهرجات الخطابية لبعض زعماء الأحزاب السياسية خلال الحملة الانتخابية التي يشهدها المغرب في إطار الاستحقاقات التشريعية المقرر تنظيمها يوم الأربعاء 23 شتنبر من الشهر الجاري.

وتداولت منابر إعلامية ومنصات للتواصل الاجتماعي، تصريحات حادة لبعض المسؤولين السياسيين، دفعت النيابة العامة لفتح تحقيق قضائي في مضمون بعضها لما تحمله من اتهامات ذات طبيعة جنائية، كتصريح مسؤول حزبي بأن أموال الحملة الانتخابات ممولة من إرادات بيع المخدرات، وتصريح مسؤول آخر بأن استهداف حزبه وصل حد التجسس على المكالمات الشخصية لقياداته.

وطرحت هذه التصريحات التي تمس سمعة الحزب الآخر وقياداته وذات الحمولة الجنائية لبعضها، أسئلة كبرى حول جدواها، وما إذا كانت تصريحات جاري بها العمل، ودالة على قوة التنافس الديمقراطي في إطار التدافع السياسي الذي يشهده المغرب، أم أنها ظاهرة سلبية تزيد من تأزيم المشهد السياسي الحزبي الذي يعاني أصلا من إشكالات وأعطاب عدة وفق إجماع الباحثين والمحليين في هذا المجال.

الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ العلوم السياسية في كلية العلوم القانونية والسياسية بمراكش، اعتبر أنه من حيث المبدأ “ارتفاع منسوب السجال في الحملات الانتخابية مفهوم، لأن الانتخابات لحظة تنافس سياسي قوي تسعى خلالها الأحزاب إلى إقناع الناخبين ببرامجها وحصيلتها وقدرتها على تدبير الشأن العام، لذلك فالنقد المتبادل ليس عيبا في ذاته، بل قد يكون مؤشرا إيجابيا حين يدور حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وحين يكشف للمواطن الفوارق الحقيقية بين المشاريع السياسية”.

ويرى استاتي زين الدين في تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن “المشكلة تبدأ عندما ينتقل الخطاب من نقد السياسات إلى اتهام الأشخاص، ومن مساءلة الحصيلة إلى إطلاق ادعاءات جنائية في المنصات الخطابية من دون تقديم معطيات دقيقة قابلة للتحقق، إذ هنا لا نكون أمام تنافس سياسي عادي، بل أمام خطر تشويش المجال العمومي وتحويل الحملة الانتخابية إلى محاكمة شعبية”.

ومن هذه الزاوية، أضاف ذات المتحدث أن “تفاعل النيابة العامة مع بعض التصريحات التي تتضمن معطيات ذات طبيعة جنائية يندرج، من حيث المبدأ، في صميم دولة القانون، إذ عندما يجري تداول وقائع خطيرة، ينبغي أن تنتقل من المنصة السياسية إلى المسار القانوني الذي يضمن البحث المحايد وقرينة البراءة وحقوق الدفاع، ولا ينبغي فهم ذلك باعتباره تضييقا على حرية التعبير أو على المعارضة، لأن النقد السياسي حق مشروع، بل ضرورة ديمقراطية، غير أن الفاصل يظل واضحا بين نقد يستند إلى وقائع ومؤشرات، واتهام يقرر مسؤولية جنائية قبل أن يقول القضاء كلمته”.

وفيما يخص مدى صحة مقارنة التصريحات التي رافقت الحملة الانتخابية مع تجارب دولية ديمقراطية، أشار زين الدين إلى أنه “صحيح أن الحملات السلبية والتصعيد اللفظي حاضران في تجارب ديمقراطية عديدة، خاصة مع اقتراب موعد الاقتراع، غير أن شيوع الظاهرة دوليا لا يجعلها نموذجا ينبغي الاقتداء به، فالتجارب المقارنة تظهر أن الإفراط في الشخصنة والتشهير وتداول الأخبار غير المتثبت منها يضعف جودة الاختيار الانتخابي. إذ ينشغل الناخب بالصراع بدل أن يناقش البدائل، وتتحول السياسة من منافسة حول الحلول إلى منافسة حول الإساءة والتخوين”.

وفي الحالة المغربية، أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض أن “الكلفة أكبر لأن الحاجة ما تزال قائمة إلى تقوية الثقة في العمل الحزبي وفي المؤسسات التمثيلية. فكل خطاب يختزل المنافس في صورة فاسد أو خائن أو متورط، من دون حكم قضائي أو دليل واضح، قد يمنح صاحبه مكسبا ظرفيا في تجمع انتخابي، لكنه يترك أثرا سلبيا طويل المدى. فهو يعمق العزوف، ويغذي اللامبالاة، ويعزز لدى المواطن الانطباع بأن الأحزاب متشابهة في الممارسة، حتى حين تختلف في الشعارات”.

وفي هذا الصدد، أكد الباحث في الحقل السياسي المغربي أن “المطلوب وجود أحزاب تقدم أرقاما وبدائل، وزعماء يواجهون خصومهم بالحجج وبحصيلة التدبير، ووسائل إعلام تساعد على التحقق بدل إعادة إنتاج الاتهامات، ومواطن يميز بين النقد الجاد والضجيج الانتخابي، فقوة الديمقراطية لا تقاس بحدة الصوت، بل بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى نقاش منتج، والادعاءات الخطيرة إلى وقائع تخضع للمساءلة القانونية، والانتخابات إلى لحظة اختيار واع لا إلى ساحة للاتهام المجاني”.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x