2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
يبدو المغرب، عند قراءة مساره خلال العقدين الأخيرين، أمام مفارقة تستحق نقاشا سياسيا عميقا. فمن جهة، استطاعت المملكة إنجاز تحولات كبرى في البنيات التحتية والتجهيز والنقل والموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة والصناعة والحماية الاجتماعية، وأطلقت أوراشا استراتيجية تتجاوز في مداها الزمني ولاية حكومة واحدة. ومن جهة ثانية، ما زالت أسئلة البطالة، وجودة التعليم والصحة، والقدرة الشرائية، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وصعوبة ولوج الشباب إلى سوق الشغل، حاضرة بقوة في النقاش المجتمعي.
ومن هنا لا ينبغي اختزال السؤال في القول إن المغرب لم يحقق تنمية، لأن ذلك يجانب جزءا مهما من الواقع، كما لا يكفي تعداد المشاريع الكبرى للقول إن النقلة التنموية المنشودة قد تحققت. السؤال الأكثر دقة هو: لماذا لا تتحول الدينامية الاستثمارية والمؤسساتية التي يعرفها المغرب بالسرعة والفعالية نفسيهما إلى تحسن ملموس ومستدام في حياة المواطن؟
ويجرنا هذا السؤال إلى إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الممارسة السياسية نفسها: ما الذي يتغير فعلا عندما تتغير الحكومات؟ وما حدود مسؤولية الحكومة عن السياسات العمومية في ظل وجود استراتيجيات وطنية تمتد لسنوات طويلة؟ وأين يوجد العطب: في الرؤية، أم في القرار السياسي، أم في الإدارة والتنفيذ، أم في الحكامة والمحاسبة؟
أولا: العطب السياسي في المغرب بين أزمة الوساطة وضعف الربط بين الاختيار الانتخابي والسياسة العمومية
أولى حلقات الإشكال تكمن في المسافة التي أصبحت تفصل بين السياسة كما يعيشها المواطن والسياسة العمومية كما تنتجها المؤسسات. ففي الديمقراطية، يفترض أن يتوجه المواطن إلى صناديق الاقتراع ليختار بين مشاريع مجتمعية واقتصادية مختلفة: نموذجا في التعليم مقابل نموذج آخر، واختيارا ضريبيا مقابل اختيار مختلف، وتوجها في التشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية يختلف باختلاف الأحزاب.
لكن عندما تصبح البرامج الانتخابية متقاربة في أهدافها العامة، من قبيل خلق فرص الشغل، وتحسين التعليم والصحة، ودعم الاستثمار، وتقليص الفوارق ومحاربة الفساد، دون اختلافات واضحة في الأدوات والتمويل والآجال والأولويات، يصبح الاختيار الانتخابي أقل ارتباطا بالسياسات وأكثر ارتباطا بالأشخاص والانتماءات والشبكات المحلية والقدرة التنظيمية للأحزاب.
هنا يبدأ العطب الحقيقي.لأن المواطن عندما لا يستطيع التمييز بوضوح بين المشروع الاقتصادي والاجتماعي للحزب “X” والمشروع الذي يقدمه الحزب “Y”، تضعف الوظيفة الأصلية للانتخابات باعتبارها اختيارا بين بدائل سياسية.
ويتفاقم الإشكال عندما تنتقل الأحزاب من موقع المعارضة إلى الأغلبية أو العكس دون أن يصاحب ذلك دائما تحول واضح في تصوراتها للسياسات العمومية. وقد نجد أحزابا تنتقد اختيارات معينة وهي في المعارضة ثم تجد نفسها مشاركة في تدبيرها عندما تدخل الحكومة.وبذلك يظهر نوع من الانفصال بين ثلاثة مستويات كان ينبغي أن تكون مترابطة:البرنامج الانتخابي، والبرنامج الحكومي، والسياسة العمومية المنفذة فعليا.
وتصبح المسؤولية السياسية موزعة إلى درجة يصعب معها على المواطن تحديد المسؤول عن النجاح أو الفشل.والمشكلة ليست في وجود مؤسسات متعددة تتدخل في صناعة القرار، فهذا أمر طبيعي في الدول الحديثة. وإنما تكمن في غياب الوضوح الكافي بشأن المسؤولية عن النتائج.
لذلك فإن إصلاح السياسة لا يبدأ فقط بإصلاح القانون الانتخابي أو تجديد النخب، وإنما يبدأ بإعادة الاعتبار إلى معنى المسؤولية السياسية:من وعد؟ ماذا وعد؟ ماذا أنجز؟ كم أنفق؟ وما النتيجة التي حصل عليها المجتمع مقابل الموارد التي تم استعمالها؟
ثانيا: هل تتغير السياسات بتغير الحكومات أم أن الحكومات تتغير بينما تستمر الاختيارات الكبرى؟
السؤال الثاني أكثر تعقيدا: إذا تغيرت الحكومات، فهل تتغير السياسات فعلا؟
الجواب يقتضي التمييز بين السياسات الاستراتيجية للدولة والسياسات الحكومية.هناك اختيارات لا يمكن منطقيا تغييرها كل خمس سنوات. فلا يمكن لحكومة أن تبدأ بناء ميناء أو شبكة سكك أو مشروع ماء أو إصلاح منظومة اجتماعية، ثم تأتي الحكومة التالية لتوقفه فقط لأنه لم يبدأ في عهدها. الدولة تحتاج إلى الاستمرارية، خصوصا في المشاريع التي تمتد لعشر أو عشرين سنة.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار الأوراش الكبرى عبر الحكومات المتعاقبة ليس ضعفا في الديمقراطية، بل يمكن أن يشكل نقطة قوة للدولة المغربية، لأنه يمنع التقلبات السياسية القصيرة من تعطيل المشاريع الاستراتيجية طويلة المدى.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الاستمرارية الاستراتيجية إلى غموض في المسؤولية الحكومية.فإذا كانت الاختيارات الكبرى مستمرة، فما الذي ننتخب الحكومة من أجله؟
هنا ينبغي إعادة تعريف وظيفة الحكومة. ليس مطلوبا منها بالضرورة تغيير الاتجاه الاستراتيجي للدولة، وإنما أن تحدد كيف ستصل إلى الأهداف، وبأي سرعة، وبأي تكلفة، وبأي ترتيب للأولويات، ولصالح أي فئات، وبأي نتائج قابلة للقياس.
يمكن لحكومتين أن تتفقا على ضرورة إصلاح التعليم، لكن تختلفا جذريا في طريقة الإصلاح.ويمكنهما الاتفاق على تعميم الحماية الاجتماعية، لكن تختلفا في التمويل والاستهداف والحكامة.
وقد تتفقان على تشجيع الاستثمار، بينما تعطي إحداهما الأولوية للمقاولات الكبرى والأخرى للمقاولات الصغيرة والمتوسطة أو للاقتصاد الاجتماعي أو للاستثمار الجهوي.إذن، استمرارية الدولة لا ينبغي أن تعني تطابق الحكومات.
وهنا تظهر ضرورة أن تتضمن البرامج الانتخابية التزامات دقيقة وقابلة للمحاسبة: عدد مناصب الشغل، معدل البطالة المستهدف، مؤشرات جودة التعليم، آجال العلاج، تطور الاستثمار الخاص، نسبة الفوارق المجالية، مستوى الدخل، وغيرها.
عندها يستطيع المواطن، في نهاية الولاية، الانتقال من السؤال التقليدي: “ماذا فعلتم؟” إلى سؤال أكثر دقة:”ماذا وعدتم، وماذا تحقق من الوعد؟” وهذا التحول ضروري لتفعيل المبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ثالثا: المغرب بين نجاح دولة المشاريع وصعوبة الانتقال إلى دولة الأثر والنتائج
من الخطأ إنكار التحولات التي حققها المغرب. فقد راكم خلال السنوات الماضية بنية تحتية مهمة، وطور شبكات الطرق والموانئ والسكك الحديدية، وجذب استثمارات صناعية، ووسع قدراته في الطاقات المتجددة، وأطلق أوراش الحماية الاجتماعية ومشاريع الماء والتحول الرقمي، كما أصبح يستعد لاستحقاقات دولية كبرى.
لكن السؤال التنموي لا يتعلق فقط بحجم ما تم بناؤه، بل بمردودية ما تم بناؤه على الإنسان والاقتصاد والمجال.وهنا ينبغي الانتقال من ثقافة قياس المدخلات إلى ثقافة قياس النتائج.
ليس السؤال فقط: كم مدرسة شيدنا؟ بل: هل تحسنت جودة التعلمات؟
وليس: كم مستشفى أنشأنا؟ بل: كم يحتاج المواطن من الوقت للحصول على العلاج؟
وليس: كم مليار درهم استثمرنا؟ بل: كم فرصة شغل دائمة ومنتجة ولدتها هذه الاستثمارات؟
وليس: كم برنامجا اجتماعيا أطلقنا؟ بل: كم أسرة استطاعت الخروج بصورة مستدامة من دائرة الهشاشة؟
وليس: كم منطقة صناعية أحدثنا؟ بل: كم مقاولة مغربية استطاعت أن تنمو وتصدر وتبتكر؟
إن جزءا من المعضلة التنموية المغربية يوجد في هذه المسافة بين الإنجاز المادي والأثر الاجتماعي.فالبنية التحتية شرط للتنمية، لكنها ليست التنمية في ذاتها.والميناء يصبح تنمية عندما ينتج حوله اقتصاد وتصدير ومقاولات وفرص شغل.والطريق تصبح تنمية عندما تربط المجال القروي بالأسواق والمدرسة والمستشفى والاستثمار.والجامعة تصبح تنمية عندما يتحول خريجوها إلى قوة منتجة بدلا من الانتقال من مقاعد الدراسة إلى صفوف البطالة.والاستثمار العمومي يصبح رافعة حقيقية عندما يستطيع جر الاستثمار الخاص خلفه، لا عندما يظل الاقتصاد محتاجا باستمرار إلى الدولة لكي تحرك الطلب والنشاط.
وهنا تكمن النقلة النوعية التي ما زال المغرب مطالبا بتحقيقها:الانتقال من تراكم المشاريع إلى تراكم الإنتاجية، ومن الاستثمار إلى التشغيل، ومن البنية التحتية إلى الرأسمال البشري، ومن الإنفاق الاجتماعي إلى الارتقاء الاجتماعي.
وهو ما يفسر أيضا لماذا يمكن أن تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية، بينما لا يشعر جزء من المواطنين بأن وضعه المعيشي تحسن بالدرجة نفسها. فالمواطن لا يقيس التنمية بنسبة النمو وحدها، وإنما يقيسها بالأجر، وفرصة العمل، وثمن السكن، وجودة المدرسة، وكلفة العلاج، والأسعار، والنقل، وإمكانية أن يعيش أبناؤه أفضل مما عاش هو.وهذا هو الفارق بين التنمية في المؤشرات والتنمية في الإحساس الاجتماعي.
رابعا: من دولة الاستراتيجيات إلى دولة النتائج: شروط النقلة التنموية المغربية
النقلة النوعية المقبلة لا تحتاج بالضرورة إلى إضافة عشرات الاستراتيجيات الجديدة بقدر ما تحتاج إلى رفع القدرة على التنفيذ والمحاسبة والتنسيق.
لقد أصبح المغرب يمتلك رصيدا مهما من التشخيصات والاستراتيجيات والتقارير. ولذلك ينبغي أن ينتقل السؤال من: ماذا نريد أن نفعل؟ إلى: لماذا لم ننفذ ما قررنا فعله بالسرعة والجودة المطلوبتين؟وهنا تبرز أولا ضرورة بناء حكومة النتائج.أي أن يقدم البرنامج الحكومي التزامات كمية وزمنية واضحة، وأن تنشر حصيلة دورية تبين ما تحقق وما لم يتحقق وأسباب التأخر.
ويبرز ثانيا إصلاح الإدارة وربط المسؤولية الإدارية بالنتائج. فقد يكون القرار السياسي صحيحا والتمويل متوفرا، لكن المشروع يتعطل بسبب بطء المساطر أو تعدد المتدخلين أو ضعف التنسيق أو غياب المسؤولية الواضحة.
وثالثا، لا يمكن تحقيق نقلة تنموية دون جعل التعليم والصحة والرأسمال البشري في مرتبة البنية التحتية نفسها. فالمغرب الذي استطاع بناء منشآت معقدة في آجال محددة ينبغي أن يستطيع تحقيق المستوى نفسه من الفعالية في المدرسة والمستشفى والإدارة.
ورابعا، يحتاج الاقتصاد المغربي إلى انتقال أقوى من الاستثمار العمومي المحرك للنمو إلى الاستثمار الخاص المنتج للشغل، خصوصا عبر المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لأنها الأقرب إلى إنتاج فرص العمل وتوزيع النشاط الاقتصادي على المجالات.
وخامسا، ينبغي جعل العدالة المجالية معيارا مركزيا لتقييم التنمية. فلا معنى لمعدل نمو وطني جيد إذا كانت ثمراته متركزة مجاليا أو اجتماعيا. نجاح التنمية المغربية ينبغي أن يقاس بقدرتها على تغيير حياة المواطن في القرية والمدينة الصغيرة والهامش، وليس فقط في الأقطاب الاقتصادية الكبرى.
وأخيرا، تبقى النقلة السياسية شرطا للنقلة الاقتصادية والاجتماعية. والمقصود بها إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات من خلال انتخابات تقوم على الاختيار بين برامج واضحة، وأحزاب تتحمل مسؤولية وعودها، وحكومة يمكن تقييم حصيلتها، ومعارضة تقدم البديل بدل الاكتفاء بالنقد.
وهنا نصل إلى الخلاصة الأساسية:العطب المغربي ليس عطب غياب المشاريع بقدر ما هو عطب تحويل المشروع إلى أثر، والاستراتيجية إلى نتيجة، والنمو إلى شغل، والاستثمار إلى رفاه، والمسؤولية إلى محاسبة.
لقد قطع المغرب شوطا مهما في بناء البنية التحتية للدولة الصاعدة، لكن المرحلة المقبلة أكثر صعوبة، لأنها تتعلق ببناء مجتمع صاعد.والفارق كبير بين الاثنين.فالدولة الصاعدة تقاس بموانئها وطرقها وصناعاتها واستثماراتها ومكانتها الدولية، أما المجتمع الصاعد فيقاس بمدرسته ومستشفاه وطبقته الوسطى وشبابه المنتج وقدرته الشرائية وتكافؤ الفرص والثقة في المستقبل.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤطر النقاش السياسي، وخاصة في المحطات الانتخابية، لم يعد: من سيدبر الحكومة المقبلة؟ فقط، وإنما: أي حكومة تستطيع تحويل قوة الدولة الاستثمارية والاستراتيجية إلى قوة اقتصادية واجتماعية يشعر بها المواطن؟
إنها في النهاية معركة الانتقال من دولة المشاريع إلى دولة النتائج، ومن التنمية التي نراها في المنشآت إلى التنمية التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.