لماذا وإلى أين ؟

لماذا سنصوت لحزب الاستقلال يوم 23 سبتمبر ؟؟

د.خالد فتحي

كلما تابعت مجريات الحملة الانتخابية بالمغرب، كلما اقتنعت قناعة تامة ، انه إذا أرادت الأقدار خيرا بالمغرب، فستبوّئ حزب الاستقلال المكانة الأولى يوم 23 سبتمبر . ذاك أفضل خيار وأحسن سيناريو نفيق عليه صبيحة اليوم الموالي .

لا أقول هذا لأنني أنتمي إلى حزب الاستقلال، وإن كان الانتماء حقاً طبيعياً في الحياة السياسية؛ وإنما أقوله لأنني أقرأ هذه اللحظة المغربية من زاوية أوسع من الحساب الحزبي الضيق. فحين تمر الأوطان بلحظات عادية، يمكن أن تكون المنافسة بين الأحزاب مجرد تنافس على البرامج والمقاعد والمواقع. أما حين تتراكم التحديات حول الوطن، فإن السؤال يصبح أكبر: أي حزب يستطيع أن يجمع المغاربة أكثر مما يفرقهم؟ وأي حزب يستطيع أن يحول نتائج الانتخابات إلى حكومة قابلة للعمل، وإلى توافقات سياسية، وإلى قوة وطنية في مواجهة ما ينتظر المغرب؟

ومن هذه الزاوية، يبدو حزب الاستقلال مختلفاً في شيء أساسي: إنه حزب يستطيع أن يتحدث مع الجميع.
علاقاته مع مختلف الأحزاب، وتجربته الطويلة داخل المؤسسات، تجعلان الانتقال من المنافسة الانتخابية إلى بناء التحالفات أمراً أكثر سهولة. وهذه ليست مسألة تقنية أو تفصيلاً في هندسة تشكيل الحكومة؛ إنها مسألة سياسية عميقة. فالمغرب لا يحتاج بعد كل انتخابات إلى أن يبدأ من الصفر، ولا يحتاج إلى أن تتحول المنافسة الانتخابية إلى قطيعة بين مكونات المشهد السياسي. يحتاج إلى أحزاب تتنافس في الانتخابات، ثم تستطيع، عندما تنتهي المنافسة، أن تجلس إلى الطاولة نفسها وتبحث عن مصلحة البلاد.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة حزب الاستقلال: إنه حزب يستطيع أن يختلف دون أن يقطع الجسور.
وفي حملة انتخابية تكثر فيها أحيانا الملاسنات والمنابزات، اختار حزب الاستقلال أن يخوض معركته بالتركيز على برنامجه وعلى القضايا التي تهم المواطن. لا فضائح تُستعمل سلاحاً انتخابيا، ولا خصومات شخصية تتحول إلى مادة للحملة، ولا تحويل للمنافسة السياسية إلى معركة لتصفية الحسابات. قد يختلف المرء مع الحزب في بعض مواقفه أو يختلف مع أدائه في بعض المراحل، وهذا حق ديمقراطي كامل، لكن يبقى مهما أن تكون المنافسة حول الأفكار والبرامج لا حول الأشخاص.
وفي زمن أصبح فيه المواطن أكثر حساسية تجاه الخطاب السياسي وأكثر نفورا من الصراخ السياسي، فإن الحملة النظيفة ليست تفصيلاً؛ إنها جزء من صورة السياسة التي نريدها للمغرب.
ثم هناك التاريخ.

حزب الاستقلال ليس حزبا ولد بالأمس، ولا حزبا يبحث عن جذور يصنعها لنفسه. إنه أحد أبناء الحركة الوطنية المغربية، وحمل منذ مرحلة الحماية مشروع الاستقلال الوطني، وناضل رجاله من أجل تحرير البلاد واستعادة القرار الوطني. ولذلك فإن اسم «الاستقلال» ليس مجرد اسم حزبي؛ إنه جزء من الذاكرة السياسية للمغرب الحديث.
وقد يقول قائل إن التاريخ لا يكفي للفوز في انتخابات الحاضر، وهذا صحيح. لكن التاريخ يصبح ذا معنى حين يتحول إلى مسؤولية في الحاضر.
والمغرب اليوم يعيش في محيط لا يسمح له بأن يتعامل مع قضاياه الكبرى باستخفاف. الصحراء المغربية، والجزائر، وسبتة ومليلية، والهوية المغربية، وموقع المغرب في محيطه الإفريقي والمتوسطي والدولي، كلها ملفات تجعل سؤال السيادة الوطنية حاضراً بقوة.
وفي مثل هذا السياق، لا يعود الدفاع عن الدولة الوطنية مجرد شعار انتخابي. يصبح مشروعا متكاملا: دفاع عن الوحدة الترابية، وعن القرار السيادي، وعن الهوية، وعن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للمغرب.
وهنا أيضا يملك حزب الاستقلال رصيدا لا يمكن تجاهله، بحكم حضوره التاريخي والسياسي في مختلف جهات المملكة، وبصفة خاصة في الأقاليم الجنوبية. فالقضية الوطنية تدخل، في تقديري، مرحلة جديدة لا يكفي فيها أن ندافع عن الموقف المغربي، وإنما ينبغي أن نمتلك أيضاً القدرة السياسية والمؤسساتية على المساهمة في تنزيل الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وتحويل هذا المشروع إلى واقع مؤسساتي وتنموي يرسخ مغربية الصحراء.
ومن هنا تأتي أهمية أن يكون للحزب امتداد حقيقي في الصحراء المغربية، وأن يكون حاضرا بين سكانها، وأن يساهم في جعل الوحدة الترابية مشروعا سياسيا وتنمويا ومؤسساتيا، لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.
ثم إن حزب الاستقلال ليس حزب طبقة واحدة.
هذه نقطة أساسية ربما لا تحظى بما تستحقه من الانتباه. فالحزب، بتاريخه وتركيبته الاجتماعية، استطاع أن يكون حاضراً لدى شرائح متعددة من المجتمع المغربي: العامل والفلاح، الطبيب والمهندس، الموظف والتاجر، الحرفي والمقاول، الشباب والنساء، والطبقة الوسطى بمختلف مكوناتها.
إنه حزب يمكن أن يخاطب المجتمع كله، لا فئة اجتماعية واحدة. وهذا مهم في مغرب تتزايد فيه الحاجة إلى سياسات تخاطب الجميع: إلى جانب حماية القدرة الشرائية، هناك التشغيل؛ وإلى جانب الاستثمار، هناك العدالة الاجتماعية؛ وإلى جانب الإصلاح الاقتصادي، هناك الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية؛ وإلى جانب دعم المقاولة، هناك الصناع التقليديون والحرفيون والمهنيون الذين يشكلون جزءاً أساسيا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمملكة.
وحين نتحدث عن حزب في مرحلة فارقة كهاته ، يصعب ألا نستحضر رواده، وحزب الاستقلال يملك أن يستحضر علال الفاسي.
ليس لأننا نعيش في زمن علال الفاسي، وإنما لأن بعض الأفكار الكبرى لا تموت بتغير الزمن.
كان علال الفاسي ينظر إلى الاستقلال باعتباره مشروعاً يتجاوز خروج المستعمر. فالاستقلال السياسي لا يكتمل من دون استقلال اقتصادي، ولا يترسخ من دون عدالة اجتماعية، ولا يصبح ذا معنى إذا ظل الوطن عاجزاً عن التحكم في مقدراته وقراره الاقتصادي.
واليوم تغيرت الكلمات، لكن السؤال نفسه عاد بصورة جديدة.
نتحدث عن السيادة الاقتصادية، والأمن الغذائي، والقدرة الشرائية، وحماية الطبقة الوسطى، ودعم المقاولة الوطنية، وتشغيل الشباب، وتقوية الإنتاج الوطني، ودعم الفلاح والصانع التقليدي والحرفي، وتقليص التبعية الاقتصادية.
هذه كلها، في جوهرها، امتداد لذلك السؤال القديم الجديد: ماذا يعني أن يكون المغرب مستقلاً إذا لم يكن قادراً على امتلاك قراره الاقتصادي والتنوي؟
وهنا يصبح فكر علال الفاسي أكثر من ذاكرة حزبية؛ يصبح جزءاً من نقاش المغرب حول المستقبل.
لقد تغير العالم، وتغيرت الدولة، وتغير الاقتصاد، لكن الحاجة إلى مغرب قوي بقراره، معتز بهويته، منفتح على العالم، ومدافع عن مصالحه، لم تتغير.
ولذلك فإن الحديث عن تصدر حزب الاستقلال للانتخابات لا ينبغي أن يختزل في رغبة حزب في الحصول على عدد أكبر من المقاعد.
المسألة، بالنسبة إليّ، أعمق من ذلك.
إنها تتعلق بنوعية المرحلة المقبلة.
المغرب يحتاج إلى حكومة قادرة على العمل، وإلى أحزاب قادرة على التوافق، وإلى خطاب سياسي يعيد شيئاً من الثقة إلى المواطن، وإلى قوة وطنية تعرف أن الاختلاف بين الأحزاب لا ينبغي أن يتحول إلى اختلاف حول الوطن.
ويحتاج، في الوقت نفسه، إلى حزب يستطيع أن يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التاريخ والمستقبل، بين الدفاع عن الثوابت والاستجابة للتحولات، بين السيادة الوطنية والواقعية السياسية، وبين الانفتاح على الآخرين والتمسك بالهوية المغربية.
وهذه كلها عناصر تجعل حزب الاستقلال، في هذه اللحظة بالذات، مؤهلاً لأن يكون في قلب المشهد السياسي المقبل.
ليس لأنه حزب بلا أخطاء، وليس لأن تاريخه يعفيه من النقد، وليس لأن الانتماء إليه يمنحه حصانة من المساءلة. على العكس، فإن الحزب الذي يطلب ثقة المغاربة يجب أن يكون أول من يقبل محاسبتهم.
ولكن السياسة ليست فقط محاسبة الماضي؛ إنها أيضاً اختيار المستقبل.
والمغرب الذي يقف اليوم أمام تحديات الصحراء، والجزائر، وسبتة ومليلية، والتحولات الدولية، والهوية الوطنية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، يحتاج إلى أحزاب تفكر بمنطق الدولة، لا بمنطق المعركة الانتخابية وحدها.
لذلك، إذا أرادت الأقدار خيراً بالمغرب، فربما يكون تصدر حزب الاستقلال لهذه الانتخابات بداية لمرحلة سياسية جديدة؛ مرحلة لا يكون فيها الفوز انتصاراً لحزب على حزب، وإنما انتصاراً لفكرة أوسع: أن تتحول التعددية السياسية إلى قوة، وأن يتحول الاختلاف إلى تنافس ديمقراطي، وأن يتحول التنافس بعد الانتخابات إلى تعاون من أجل الوطن.
فالانتخابات ليست حرباً بين المغاربة.
إنها لحظة يختار فيها المغاربة من يرونه أكثر قدرة على حمل أمانة المرحلة.
وقد يكون من بين دروس هذه الانتخابات أن المغرب، في اللحظات التي يحتاج فيها إلى التماسك أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى حزب يستطيع أن يجمع أكثر مما يفرق، وأن يتحاور مع الجميع، وأن يحمل ذاكرة الحركة الوطنية، وأن يكون حاضراً في مختلف جهات المملكة، وأن يدافع عن الصحراء المغربية، وأن يساهم في تنزيل الحكم الذاتي، وأن يخاطب مختلف الطبقات والفئات، وأن يستعيد في الاقتصاد والاجتماع شيئاً من روح علال الفاسي.
لهذا أقولها مرة أخرى، لا باعتبارها أمنية حزبية فحسب، وإنما باعتبارها قراءة سياسية لهذه اللحظة:
إذا أرادت الأقدار خيراً بالمغرب، فلتبوّئ حزب الاستقلال المكانة الأولى.
ولعل أجمل ما في الأمر، إن حدث، ألا يكون ذلك انتصاراً للاستقلال وحده، وإنما انتصاراً للمغرب الذي يستطيع أن يجمع تاريخه ومستقبله، وهويته وانفتاحه، ووحدته وتعدديته، واستقلاله السياسي وسيادته الاقتصادية.
وفي النهاية، تبقى الكلمة للمغاربة.
فهم وحدهم من يضعون ورقة الاقتراع في الصندوق، وهم وحدهم من يمنحون الثقة، وهم وحدهم من يكتبون الصفحة التالية من تاريخ هذا الوطن.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
علي
المعلق(ة)
20 سبتمبر 2026 16:32

هذا سلوك مشين ومثير للاشمئزاز والا خاص اشكاين تعطي نفس الفرصة للجميع

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x