2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
رضوان الرياش*
أولا: الإطار الدستوري للفصل 47 وحدود السلطة الملكية في تعيين رئيس الحكومة
يشكل الفصل 47 من دستور 2011 إحدى أهم المقتضيات التي أعادت رسم العلاقة بين المؤسسة الملكية والحكومة والنتائج التي تفرزها الانتخابات التشريعية. فقد جاء فيه أن الملك “يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”، كما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ويكشف هذا المقتضى عن تحول جوهري مقارنة بالدساتير المغربية السابقة، لأن تعيين رئيس الحكومة لم يعد منفصلاً عن الإرادة التي يعبر عنها الناخبون، وإنما أصبح مرتبطاً بنتائج الانتخابات التشريعية وبالحزب الذي يتصدرها.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الفصل 47 أقام نوعاً من التوازن بين الاختصاص الملكي في التعيين والشرعية الديمقراطية الناتجة عن الاقتراع. فالملك هو الذي يملك دستورياً سلطة التعيين، لكن هذه السلطة لم تعد مطلقة من حيث المجال الذي يمكن أن يقع فيه الاختيار، إذ حدد الدستور دائرة الاختيار في الحزب المتصدر للانتخابات. ومن ثم يمكن وصف سلطة الملك في هذا المجال بأنها سلطة تعيين مقيدة من حيث المصدر الحزبي، مع بقاء هامش تقديري في تحديد الشخصية التي يقع عليها الاختيار داخل ذلك الحزب.
وهنا تظهر أولى الإشكالات الدقيقة في تفسير الفصل 47: هل يتعين بالضرورة تعيين الأمين العام أو رئيس الحزب المتصدر، أم يكفي أن يكون الشخص المختار منتمياً إلى الحزب نفسه؟
القراءة الحرفية للنص تدفع نحو الاحتمال الثاني، لأن المشرع الدستوري لم يستعمل عبارة “يعين الملك الأمين العام للحزب المتصدر”، ولا “مرشح الحزب لرئاسة الحكومة”، وإنما استعمل عبارة واسعة هي: “من الحزب السياسي الذي تصدر الانتخابات”. والفرق بين العبارتين جوهري، لأن الدستور حدد الانتماء السياسي للشخص المعين دون أن يحدد مرتبته التنظيمية داخل الحزب.
وبهذا المعنى، لا يبدو أن الفصل 47 يمنح الأمين العام للحزب حقاً شخصياً في رئاسة الحكومة، وإنما يمنح الحزب المتصدر، باعتباره تعبيراً عن اختيار انتخابي، نوعاً من الأولوية الدستورية في تولي رئاسة الحكومة. ولذلك فإن التعيين يمكن من حيث القراءة النصية أن يشمل شخصية أخرى من الحزب الأول، متى تعذر على الشخصية التي عينت أولاً تكوين الحكومة.
وقد كرست الممارسة الدستورية المغربية هذا الاتجاه سنة 2017. فبعد انتخابات 7 أكتوبر 2016، عين عبد الإله بنكيران رئيساً للحكومة باعتباره الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الذي تصدر الانتخابات، غير أن تعثر المشاورات الرامية إلى تكوين الأغلبية أدى في مارس 2017 إلى الانتقال إلى شخصية أخرى تنتمي إلى الحزب نفسه، هي سعد الدين العثماني، الذي تولى رئاسة الحكومة ابتداء من 17 مارس 2017.
ولهذه السابقة أهمية دستورية كبيرة، لأنها أظهرت عملياً أن الشرعية الناتجة عن الفصل 47 مرتبطة بالحزب المتصدر أكثر مما هي مرتبطة بشخص الأمين العام. فالذي استمر بعد إعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة لم يكن الشخص، وإنما الحزب الذي تصدر الانتخابات. ومن هنا يمكن التمييز بين مستويين من القيود:
المستوى الأول: هو القيد الحزبي، ومفاده أن الملك لا يستطيع في التعيين الأول، وفق القراءة الصريحة للفصل 47، تجاوز الحزب المتصدر إلى الحزب الثاني أو الثالث أو إلى شخصية مستقلة، ما دام النص قد حدد الحزب الذي يجب أن يأتي منه رئيس الحكومة.
المستوى الثاني: هو هامش الاختيار داخل الحزب المتصدر، وهنا تكون سلطة الملك أوسع نسبياً. فالنص لا يحدد ترتيباً داخلياً للأشخاص الذين يمكن تعيينهم، الأمر الذي يفتح المجال لاختيار شخصية تكون، من الناحية السياسية، أكثر قدرة على إجراء المشاورات وتشكيل أغلبية حكومية مستقرة.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند مقارنة الحالة المغربية بالنموذج البرتغالي، الذي يعد من أكثر النماذج الأوروبية قرباً من الصيغة المغربية من حيث الربط بين تعيين رئيس الحكومة والنتائج الانتخابية. فالمادة 187 من الدستور البرتغالي تنص على أن رئيس الجمهورية يعين رئيس الوزراء بعد الاستماع إلى الأحزاب الممثلة في البرلمان ومع الأخذ بعين الاعتبار نتائج الانتخابات.
ويلاحظ هنا وجود تقارب لغوي ودستوري واضح بين عبارة الفصل 47 المغربي “وعلى أساس نتائجها” والصيغة البرتغالية التي تلزم رئيس الجمهورية بأن يأخذ النتائج الانتخابية بعين الاعتبار. إلا أن الاختلاف الجوهري يتمثل في أن الدستور البرتغالي لم يلزم الرئيس بتعيين رئيس الوزراء من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى تحديداً، بينما قام الدستور المغربي بإضافة قيد أكثر صرامة يتمثل في وجوب الاختيار من الحزب المتصدر.
وهذا يجعل الفصل 47 المغربي أكثر تضييقاً للسلطة التقديرية لرئيس الدولة مقارنة بالدستور البرتغالي. ففي البرتغال يمكن، نظرياً ودستورياً، أن تكون شخصية من الحزب الثاني هي الأكثر قدرة على تشكيل أغلبية برلمانية، خصوصاً إذا حصل تحالف بين عدة أحزاب يمكنها من السيطرة على أغلبية مقاعد البرلمان. أما في المغرب فإن القراءة الحرفية للنص تعطي الحزب الأول امتيازاً دستورياً مستقلاً عن مسألة امتلاكه الأغلبية المطلقة.
وهنا تتضح خصوصية النموذج المغربي: الفوز النسبي في الانتخابات ليس مجرد معطى سياسي، وإنما يرتب أثراً دستورياً مباشراً يتمثل في أحقية الحزب المتصدر في أن يأتي رئيس الحكومة من صفوفه.
غير أن هذا الاختيار يطرح إشكالاً آخر. فقد يتصدر حزب ما الانتخابات دون أن يملك سوى أقل من ربع أو ثلث مقاعد مجلس النواب، بينما قد تستطيع أحزاب أخرى تكوين أغلبية واضحة من دونه. وفي هذه الحالة يصبح هناك نوع من التوتر بين معيارين: معيار الأسبقية الانتخابية الذي اعتمده الفصل 47، ومعيار الأغلبية البرلمانية الذي تقوم عليه أغلب الأنظمة البرلمانية.
وهذه المسألة تعد أحد أهم مفاتيح فهم الفصل 47: فالمشرع الدستوري المغربي فضل، في مرحلة التعيين الأولى، معيار الحزب المتصدر على معيار التحالف البرلماني الجاهز، وهو اختيار يرمي إلى احترام ترتيب الأحزاب الذي أفرزته صناديق الاقتراع، ولكنه يمكن في بعض الحالات أن يؤدي إلى صعوبة في تشكيل الأغلبية.
ثانيا: تعيين رئيس الحكومة في التجارب الدستورية المقارنة وخصوصية النموذج المغربي
لا يمكن فهم مدى اتساع أو ضيق السلطة الملكية في الفصل 47 دون وضعها داخل سياق مقارن. فالدساتير الديمقراطية لا تتبنى نموذجاً واحداً لتعيين رئيس الحكومة، وإنما تتراوح بين نماذج يكون فيها رئيس الدولة صاحب دور شبه شكلي، وأخرى تمنحه هامشاً تقديرياً أوسع، مع بقاء الحكومة في جميع الأحوال مرتبطة بالثقة البرلمانية.
ويبرز النموذج الإسباني باعتباره من أهم النماذج المقارنة مع المغرب، بالنظر إلى أن الدولتين ملكيتان دستوريتان ويؤدي الملك فيهما دوراً في تشكيل السلطة التنفيذية. غير أن طريقة تنظيم هذا الاختصاص مختلفة بشكل واضح.
فوفق المادة 99 من الدستور الإسباني، يقوم الملك، بعد كل انتخابات تشريعية وبعد التشاور مع ممثلي الأحزاب الممثلة في البرلمان، باقتراح مرشح لرئاسة الحكومة. ويعرض هذا المرشح برنامجه على مجلس النواب ويطلب ثقته. فإذا حصل على الأغلبية المطلقة عينه الملك رئيساً للحكومة، وإذا لم يحصل عليها تتم عملية تصويت ثانية بعد 48 ساعة، وتكفي عندها الأغلبية البسيطة. وإذا فشلت المحاولات تتوالى الترشيحات. وإذا مرت مدة شهرين من أول تصويت دون حصول أي مرشح على الثقة، يحل الملك البرلمان وتجرى انتخابات جديدة.
إن الفارق الأساسي هنا يتمثل في أن الملك الإسباني لا يتولى تعيين رئيس الحكومة مباشرة في المرحلة الأولى، وإنما يقترح مرشحاً، بينما البرلمان هو الذي يمنحه الشرعية النهائية عن طريق التنصيب.
كما أن الدستور الإسباني لا يوجب أن يكون المرشح من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى. ولذلك يمكن أن يتصدر حزب الانتخابات لكنه يعجز عن تجميع أغلبية، بينما ينجح حزب احتل المرتبة الثانية في بناء ائتلاف يحصل به على ثقة مجلس النواب، فيصبح رئيسه أو مرشحه رئيساً للحكومة. ومن ثم فإن المعيار الحاسم في إسبانيا هو القدرة على تشكيل أغلبية برلمانية، وليس مجرد احتلال المرتبة الأولى في الانتخابات.
وهنا يمكن تسجيل فرق دقيق بين النموذجين: في المغرب تسبق الشرعية الانتخابية للحزب الأول مسألة تكوين الأغلبية، أما في إسبانيا فإن الشرعية البرلمانية الناتجة عن التصويت على التنصيب هي العنصر الحاسم.
أما البرتغال فتقدم نموذجاً أقرب من حيث الصياغة إلى الحالة المغربية. فالمادة 187 من الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية يعين رئيس الوزراء بعد التشاور مع الأحزاب الممثلة في البرلمان، مع الأخذ بعين الاعتبار نتائج الانتخابات.
غير أن عبارة “مع الأخذ بعين الاعتبار النتائج الانتخابية” أكثر مرونة من عبارة الفصل 47 المغربي. فهي تفرض على رئيس الجمهورية احترام الخريطة السياسية التي أفرزتها الانتخابات، لكنها لا تحصره في الحزب الأول بصورة مطلقة.
ولذلك يمكن اعتبار البرتغال نموذجاً وسطاً بين المغرب وإسبانيا: رئيس الدولة فيها يقوم بالتعيين مباشرة، كما في المغرب، ولكنه يحتفظ بهامش أوسع في تحديد الشخص الذي يمكنه قيادة الحكومة، مع مراعاة الأغلبية البرلمانية الناتجة عن الانتخابات والتحالفات.
ويقدم النموذج البلجيكي مثالاً آخر مهماً، خصوصاً أن بلجيكا ملكية برلمانية ويؤدي الملك فيها دوراً في مسار تشكيل الحكومات، لا سيما في الحالات التي تكون فيها الخريطة الحزبية شديدة التشتت.
فالمادة 96 من الدستور البلجيكي تنص على أن الملك يعين الوزراء ويعفيهم، كما أن الممارسة الدستورية تجعل التعيين مرتبطاً بالمفاوضات السياسية بين الأحزاب وبإيجاد أغلبية قادرة على الحكم. وتوضح وثائق مجلس النواب البلجيكي أن الملك يعين الوزراء رسمياً، ولكن الممارسة السياسية والدستورية تجعل هذه العملية جزءاً من مسار تكوين الحكومة والاتفاق بين الأحزاب المكونة للأغلبية.
وتبرز أهمية النموذج البلجيكي في أن الحزب الأول لا يملك بالضرورة حقاً دستورياً حصرياً في رئاسة الحكومة، لأن النظام الحزبي البلجيكي شديد التعدد والتجزؤ، وغالباً ما يتطلب تشكيل الحكومة مفاوضات طويلة بين أحزاب متعددة. ولذلك يكون المعيار النهائي هو القدرة على بناء ائتلاف حكومي قابل للاستمرار.
أما ألمانيا فتقدم نموذجاً يكون فيه مركز الثقل البرلماني أوضح بكثير. فالمادة 63 من القانون الأساسي الألماني تقرر أن المستشار الاتحادي ينتخب من طرف البوندستاغ بناء على اقتراح رئيس الجمهورية. والشخص الذي يحصل على أغلبية أعضاء البرلمان يجب على الرئيس تعيينه. وإذا فشل المرشح الأول، ينتقل الاختيار عملياً إلى البرلمان الذي يستطيع خلال أربعة عشر يوماً انتخاب مستشار بالأغلبية المطلوبة.
ويكشف النموذج الألماني عن انتقال السلطة الأساسية من رئيس الدولة إلى البرلمان، بحيث يصبح دور الرئيس الاتحادي محدودةً في اقتراح المرشح والتعيين الرسمي بعد انتخابه.
أما في فرنسا، فإن المادة 8 من دستور الجمهورية الخامسة تمنح رئيس الجمهورية سلطة تبدو من الناحية النصية أوسع بكثير، إذ تنص ببساطة على أن رئيس الجمهورية يعين الوزير الأول، دون أن تلزمه باختيار زعيم الحزب المتصدر أو حتى شخصية من الحزب الأول.
لكن هذه الحرية القانونية تقيدها القواعد السياسية للنظام شبه الرئاسي. فإذا كانت الأغلبية في الجمعية الوطنية متفقة مع الرئيس، يكون رئيس الجمهورية في موقع قوي في اختيار الوزير الأول. أما عندما تكون الأغلبية البرلمانية من اتجاه سياسي مخالف، فإن ضرورة بقاء الحكومة أمام البرلمان تدفع الرئيس إلى اختيار شخصية من الأغلبية البرلمانية، كما وقع في فترات “التعايش السياسي”.
وتسمح المقارنة بين هذه النماذج بوضع المغرب في موقع خاص. فالمغرب ليس مثل ألمانيا حيث البرلمان ينتخب رئيس الحكومة، وليس مثل إسبانيا حيث الملك يقترح والبرلمان يحسم، وليس مثل فرنسا حيث النص يمنح رئيس الدولة حرية واسعة في الاختيار، وليس تماماً مثل البرتغال حيث تؤخذ نتائج الانتخابات بعين الاعتبار دون إعطاء الحزب الأول حقاً حصرياً.
النموذج المغربي يقوم على معادلة مختلفة:
الملك يملك سلطة التعيين + نتائج الانتخابات تقيده + الحزب الأول يحدد دائرة الاختيار + تكوين الأغلبية يتم بعد التعيين.
وهذه الصيغة تجعل سلطة الملك في المغرب أضيق من سلطة الرئيس الفرنسي أو الأردني من حيث تحديد المصدر السياسي لرئيس الحكومة، لكنها أوسع من سلطة رئيس الدولة الألماني من حيث كون التعيين لا يسبقه انتخاب برلماني مباشر لرئيس الحكومة.
ويمكن، من باب المقارنة العكسية، استحضار النموذج الأردني. فالمادة 35 من الدستور الأردني تقرر أن الملك يعين رئيس الوزراء ويقيله ويقبل استقالته، ويعين الوزراء ويقيلهم ويقبل استقالاتهم بناء على تنسيب رئيس الوزراء. ولا تربط المادة تعيين رئيس الوزراء بالحزب الذي يتصدر الانتخابات.
وهذا المثال يكشف بصورة أوضح حجم التحول الذي أحدثه دستور 2011 في المغرب، إذ انتقلت المملكة من منطق كان فيه اختيار الوزير الأول تاريخياً أكثر اتساعاً، إلى قاعدة دستورية تجعل نتائج الانتخابات التشريعية محدداً مباشراً لاختيار رئيس الحكومة.
ثالثا: حالات التعثر في تشكيل الحكومة والإمكانات الدستورية المتاحة للملك
تظهر القيمة الحقيقية لأي قاعدة دستورية عندما ننتقل من الحالة العادية إلى حالة الأزمة. والفصل 47 يبدو واضحاً عندما يفرز الاقتراع حزباً أول قادر على بناء أغلبية بسهولة، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما يعجز الحزب المتصدر أو رئيس الحكومة المعين عن تشكيل ائتلاف حكومي.
فالنص الدستوري المغربي لم يحدد أجلاً لرئيس الحكومة المكلف من أجل تشكيل حكومته، ولم يحدد عدد المشاورات الممكنة، ولم يبين بصورة صريحة ماذا يقع إذا فشلت الشخصية الأولى، كما لم ينص على مسطرة انتقال تلقائية إلى الحزب الثاني. وهذه المساحات الصامتة في النص هي التي تفتح باب الاجتهاد الدستوري.
الاحتمال الأول: هو الإبقاء على الحزب المتصدر مع تغيير الشخصية. وهذا الحل يجد أساساً قوياً في صياغة الفصل 47 وفي الممارسة الدستورية لسنة 2017. فبما أن النص يشترط أن يكون رئيس الحكومة “من الحزب السياسي الذي تصدر الانتخابات”، فإن تعذر مهمة شخص معين لا يؤدي بالضرورة إلى سقوط حق الحزب المتصدر في تولي رئاسة الحكومة. ويمكن عندئذ اختيار شخصية أخرى من داخله تكون أكثر قدرة على بناء التوافقات. وهذا الحل يحافظ في الوقت نفسه على أمرين: احترام نتيجة الانتخابات، وعدم تحويل الشخص الأول المعين إلى صاحب حق دستوري شخصي لا يمكن تجاوزه.
الاحتمال الثاني: يتمثل في تعيين الحزب المتصدر نفسه لشخصية بديلة. وهنا يمكن أن يتداخل المنطق الدستوري مع الأعراف السياسية. فمن الناحية النصية، الاختصاص في التعيين يعود إلى الملك، وليس إلى قيادة الحزب. لكن من الناحية السياسية والديمقراطية، سيكون من الصعب تجاهل مواقف الحزب الذي يفترض أن يقود الحكومة. ومن ثم يمكن أن تنشأ ممارسة تقوم على التشاور غير الملزم دستورياً بين المؤسسة الملكية والحزب المتصدر لتحديد الشخصية القادرة على تشكيل الحكومة.
الاحتمال الثالث: يظهر عندما يفشل الحزب الأول برمته في تشكيل أي أغلبية. هنا يطرح السؤال الأكثر تعقيداً: هل يمكن للملك الانتقال إلى الحزب الثاني؟
من الناحية السياسية قد يبدو هذا الحل عملياً. فإذا كان الحزب الأول عاجزاً عن بناء أغلبية بينما يملك الحزب الثاني اتفاقاً واضحاً مع أحزاب أخرى يمنحه أغلبية مجلس النواب، فإن تكليفه قد يكون أكثر انسجاماً مع المنطق البرلماني.
غير أن العقبة تكمن في حرفية الفصل 47. فالنص لم يقل إن الملك يعين رئيس الحكومة “ابتداء من الحزب الأول”، ولم ينص على الانتقال إلى الحزب الموالي في حالة الفشل، وإنما قرر بصورة عامة أن رئيس الحكومة يعين من الحزب الذي تصدر الانتخابات.
ومن ثم فإن الانتقال إلى الحزب الثاني بواسطة تفسير واسع للفصل 47 يمكن أن يثير إشكالاً دستورياً حقيقياً، لأنه يعني عملياً إضافة استثناء لم يورده النص.
وهنا تظهر أهمية المقارنة مع إسبانيا. فالدستور الإسباني توقع صراحة احتمال فشل المرشح الأول، ولذلك نظم ترشيحات متتالية، ثم وضع حداً زمنياً لا يتجاوز شهرين من أول تصويت على التنصيب، وبعد ذلك يتم حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة.
وهذا الحل يتمتع بميزة دستورية مهمة: فهو يمنع استمرار الفراغ إلى أجل غير محدد، وفي الوقت نفسه لا يسمح لرئيس الدولة بإعادة تشكيل الإرادة الانتخابية وفق تقديره الشخصي، وإنما يعيد القرار إلى الناخبين.
ويمكن أن تكون هذه الفكرة مفيدة عند قراءة الفصل 47 المغربي. فإذا استحال بصورة نهائية تكوين حكومة من الحزب المتصدر، ولم يعد هناك أي مرشح من داخله قادر على تشكيل أغلبية، فقد يكون الرجوع إلى الناخبين أكثر انسجاماً مع فلسفة الفصل 47 من الانتقال تلقائياً إلى الحزب الثاني دون سند صريح. لكن هذا الحل يستوجب قراءة الفصل 47 بالاقتران مع مقتضيات الدستور المتعلقة بحل مجلس النواب، وليس باعتباره نتيجة آلية للفصل 47 وحده.
كما يثير الفصل مسألة أخرى لا تقل أهمية: ماذا إذا رفض الحزب المتصدر الشخصية التي عينها الملك من داخله؟
من الناحية النصية، الفصل لا يعطي أجهزة الحزب حق الموافقة المسبقة على التعيين. فالاختصاص يعود للملك. لكن من الناحية السياسية، رئيس حكومة لا يحظى بدعم حزبه سيكون في وضع بالغ الصعوبة عند تشكيل الأغلبية وعند عرض البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب. ومن هنا تظهر الحدود الواقعية للسلطة القانونية. فقد يستطيع رئيس الدولة دستورياً تعيين شخصية ما، لكن نجاحها السياسي يظل رهيناً بامتلاك دعم برلماني وحزبي كافٍ.
ويبرز هنا مرة أخرى النموذج البرتغالي، حيث أوجب الدستور التشاور مع الأحزاب الممثلة في البرلمان قبل تعيين رئيس الوزراء. وهذه الآلية تسمح لرئيس الجمهورية بمعرفة موازين القوى مسبقاً وتفادي تعيين شخصية لا يمكنها تشكيل حكومة مستقرة. وكذلك يفعل النظام الإسباني بصورة أكثر وضوحاً، لأن الملك يجري مشاورات مع ممثلي القوى البرلمانية قبل اقتراح المرشح.
ومن هنا يمكن طرح فكرة تطوير الممارسة الدستورية المغربية مستقبلاً نحو ترسيخ مشاورات سياسية منظمة في حالات الانسداد، دون المساس بالاختصاص الملكي المقرر في الفصل 47.
وتثار كذلك مسألة تعيين الوزراء. فالفصل 47 لم يمنح الملك سلطة انفرادية كاملة في تشكيل الحكومة، وإنما نص على أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وهذا يعني أن تشكيل الحكومة نفسه قائم على نوع من الاختصاص المركب: رئيس الحكومة يملك سلطة الاقتراح، والملك يملك سلطة التعيين.
ويكشف هذا الترتيب أن دستور 2011 لم يكتفِ بإعادة ضبط اختيار رئيس الحكومة، وإنما أعاد تنظيم عملية بناء السلطة التنفيذية بكاملها على أساس تعاون بين المؤسستين الملكية والحكومية.
ويملك الملك كذلك، وفق الفصل نفسه، بمبادرة منه وبعد استشارة رئيس الحكومة، إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة. كما يستطيع رئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء وزير أو أكثر. وبالتالي فإن العلاقة لا تنتهي بمجرد تشكيل الحكومة، وإنما تظل قائمة طوال حياتها الدستورية.
وفي ضوء كل ما سبق، يمكن تصنيف الإمكانات المتاحة للملك عند تطبيق الفصل 47 إلى ثلاث درجات:
الإمكانية الأولى: وهي الأكثر وضوحاً دستورياً؛ تعيين شخصية من الحزب المتصدر، سواء كانت أمينه العام أو شخصية أخرى من داخله.
الإمكانية الثانية: وهي مجال الاجتهاد السياسي والدستوري؛ الانتقال من شخصية أولى فشلت إلى شخصية ثانية أو حتى أكثر من داخل الحزب نفسه، ما دام القيد الوارد في الفصل 47 محترماً.
الإمكانية الثالثة: وهي الأكثر إشكالاً؛ تجاوز الحزب المتصدر وتعيين رئيس للحكومة من الحزب الثاني أو من خارج الأحزاب. وهذه الإمكانية لا تجد في النص الحالي أساساً صريحاً، ولذلك يصعب التسليم بها دون تأويل دستوري واسع قد يصطدم بحرفية الفصل.
أما إذا استنفدت جميع الإمكانيات داخل الحزب المتصدر وأصبح تشكيل الحكومة مستحيلاً، فإن المسألة تنتقل من مجرد تطبيق الفصل 47 إلى أزمة دستورية تتطلب تفعيل باقي آليات الدستور، وقد يصبح الرجوع إلى الناخبين أحد أكثر المخارج اتساقاً مع مبدأ الشرعية الديمقراطية.
وتبين المقارنة هنا أن أحد أوجه النقص في الصياغة الحالية للفصل 47 يتمثل في عدم تنظيم مرحلة ما بعد فشل رئيس الحكومة المكلف. فالدستور الإسباني نظمها بالتفصيل، وحدد التصويت والآجال والترشيحات المتعاقبة والحل التلقائي للبرلمان، والدستور الألماني حدد مراحل متتالية لانتخاب المستشار، أما النص المغربي فقد ترك هذه المنطقة للممارسة والتأويل.
ولهذا يمكن القول إن المشكلة الأساسية في الفصل 47 ليست في تحديد من يعين رئيس الحكومة عند وضوح نتائج الانتخابات، وإنما في تحديد حدود سلطة الملك عندما تصبح نتائج الانتخابات عاجزة عن إنتاج حكومة.
ومن هنا يمكن الوصول إلى خلاصة مركزية مفادها أن الفصل 47 أسس لنموذج دستوري مغربي خاص يقوم على التوفيق بين الشرعية الملكية والشرعية الانتخابية. فالملك يحتفظ بسلطة التعيين باعتباره رئيس الدولة، لكن هذه السلطة أصبحت مؤطرة بإرادة الناخبين. وفي المقابل، لا تتحول الانتخابات إلى انتخاب مباشر لرئيس الحكومة، لأن الملك يحتفظ بهامش في اختيار الشخص داخل الحزب المتصدر.
وهذا يجعل الاختصاص الملكي في الفصل 47 لا هو اختصاص مقيد بصورة آلية ومطلقة كما في بعض الملكيات البرلمانية، ولا هو اختصاص تقديري مطلق كما في بعض الأنظمة الملكية الأخرى، وإنما هو اختصاص يمكن وصفه بأنه: “اختصاص دستوري مقيد في مصدر الاختيار، تقديري نسبياً في تحديد الشخص، ومحكوم سياسياً بضرورة إنتاج أغلبية حكومية قادرة على ممارسة السلطة وتحمل المسؤولية أمام البرلمان”.
وتظل المسألة التي تستحق أكبر نقاش فقهي هي: هل ينبغي مستقبلاً الإبقاء على أولوية الحزب المتصدر أياً كانت قدرته على تكوين أغلبية، أم الانتقال نحو منطق أكثر برلمانية يجعل رئاسة الحكومة مرتبطة بالشخص القادر فعلياً على الحصول على أغلبية مجلس النواب؟
وهنا تتقابل فلسفتان دستوريتان: الأولى تجعل المرتبة الأولى في الانتخابات أساس الشرعية الحكومية، وهو الاتجاه المغربي الحالي. والثانية تجعل امتلاك ثقة الأغلبية البرلمانية أساس الشرعية الحكومية، وهو الاتجاه السائد في نماذج مثل إسبانيا وألمانيا وبلجيكا والبرتغال بدرجات مختلفة.
وهذا النقاش هو في جوهره نقاش حول طبيعة النظام الدستوري المغربي نفسه، وحول الحدود الدقيقة التي تفصل بين الاختيار الملكي، والشرعية الانتخابية، والأغلبية البرلمانية.
*خبير في السياسات العمومية والقانون الدستوري
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.