عبد الحق غريب
من الصعب فهم هذا الصمت النقابي أمام دخول جامعي استثنائي بكل المقاييس.. موسم جامعي فريد ومتفرد، وكأن الجامعة المغربية تخوض تجربة لم يسبق للعالم أن عرف لها مثيلا.
نحن أمام ورش غير مسبوق لإعادة هيكلة الجامعة العمومية، يشمل إحداث مؤسسات جديدة، وتقسيم عدد من الكليات إلى مؤسستين أو أكثر، وإعادة رسم الخريطة الجامعية، في أفق رفع عدد الجامعات من 12 إلى 27 جامعة.
وتتجلى بعض أوجه هذه التحولات في المرسوم رقم 2.25.561 الصادر بتاريخ 11 يونيو 2026 (25 ذي الحجة 1447) في الجريدة الرسمية عدد 7521 بتاريخ 29 يونيو 2026، والقاضي بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.90.554 الصادر في 18 يناير 1991 بشأن المؤسسات الجامعية والأحياء الجامعية.
ويشمل هذا الورش تقسيم كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية إلى كليات للعلوم القانونية والسياسية وكليات للاقتصاد والتدبير، وتقسيم كليات الآداب والعلوم الإنسانية إلى كليات للعلوم الإنسانية والاجتماعية وكليات للغات والآداب والفنون، وخلق مؤسسات جامعية جديدة.
كما يشمل إعادة هيكلة الكليات متعددة التخصصات وتحويلها إلى مؤسسات مستقلة ومتخصصة، حيث أفضى تقسيم الكلية متعددة التخصصات بآسفي، على سبيل المثال، إلى إحداث خمس مؤسسات جامعية دفعة واحدة.
هل تدرك الأجهزة الوطنية والجهوية والمحلية للنقابة الوطنية للتعليم العالي وهياكل الجامعة حجم التداعيات العملية لهذه التحولات على الدخول الجامعي، وعلى الأستاذ والإدارة والطلبة؟
فالأمر لا يتعلق بمجرد تغيير أسماء أو هياكل على الورق، بل بملفات الطلبة وتسجيلاتهم وانتقالاتهم، وإعادة توزيع الموارد البشرية، وتحيين المعطيات والأنظمة، وإعادة ترتيب المسالك والشعب والجداول والوثائق الإدارية والبيداغوجية، وكل ما يتعلق بضمان السير العادي للمؤسسات الجامعية واستمرارية المرفق الجامعي، دون ارتباك أو تعثر.
بل إن الأمر يتعلق بإحداث مقر وإدارة مستقلين لكل مؤسسة جامعية جديدة، بما يتطلب ذلك من تعيين عميد ونوابه، وكاتب عام، وإعادة تعيين الأساتذة الباحثين، وإحداث أو إعادة تنظيم المصالح الإدارية واللوجيستية، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات والوسائل الضرورية، فضلا عن تخصيص ميزانية مستقلة وضمان مختلف شروط التدبير الإداري والمالي والبيداغوجي.
بعبارة أخرى، نحن أمام ورش لا يقتصر على إعادة رسم الخريطة الجامعية، وإنما يفرض بناء هياكل إدارية وبيداغوجية جديدة، وتوفير مقرات جديدة وموارد بشرية ومالية ولوجيستية قادرة على ضمان انطلاق هذه المؤسسات في ظروف سليمة.
كل ذلك يحدث في بداية موسم جامعي يفترض أصلا أن يكون عاديا ومنظما ومستقرا، لا مرتبكا ولا مثقلا بإكراهات إضافية تزيد من تعقيد مهام الإدارة والأساتذة، وتنعكس سلبا على ظروف استقبال الطلبة وانطلاق الدراسة في ظروف ملائمة.
أما ما يثير السخرية والقلق، فهو أن بعض رؤساء الجامعات وعدد من المسؤولين الإداريين والبيداغوجيين يشتكون، في صمت، من ضغط متزايد وخصاص في الموارد البشرية واللوجيستية، في الوقت الذي تتسع فيه المهام، وتتضاعف المسؤوليات، ويرتفع عدد الطلبة.
فكيف يمكن تدبير ورش بهذا الحجم بالموارد نفسها؟
وكيف يمكن مطالبة الإدارة والأساتذة بتحمل أعباء إضافية، من دون نقاش نقابي جدي حول شروط العمل والموارد البشرية وآثار إعادة الهيكلة على الحياة الجامعية؟
أليس هذا، في حد ذاته، ملفا نقابيا بامتياز؟
أم أن النقاش النقابي لا يتحرك إلا عندما يكون هناك ملف خبزي.
السؤال هنا ليس موجها ضد أشخاص، ولا بحثا عن خصومة مع أي طرف.
إنه سؤال عن دور النقابة في مواكبة التحولات الكبرى التي تعيشها الجامعة، وعن قدرتها على الاستباق بدل أن تظل مجرد متفرج على تحولات ترهن مستقبل الجامعة.
أين المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي؟
أين اللجنة الإدارية؟
أين المكاتب الجهوية والمحلية؟
وأين النقاش مع الأساتذة حول ما تفرضه هذه التحولات من أعباء جديدة ومشاكل محتملة؟
الجامعة تتغير على الأرض، والإدارة والأساتذة والطلبة يعيشون يوميا آثار هذا التحول، دون مواكبة نقابية استباقية تواكب حجم هذه التغييرات وتدافع عن مصلحة الجامعة العمومية.
لذلك، فإن السؤال المشروع اليوم ليس: لماذا ننتقد النقابة؟
بل: لماذا لا نسمع صوتها في ورش جامعي بهذا الحجم؟
إن الصمت أمام التحولات العميقة التي تعيشها الجامعة ليس حيادا، بل إخلال بالمسؤولية النقابية، وقد يتحول إلى تواطؤ بالصمت مع قرارات تصاغ بعيدا عن المعنيين بها.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇