وجد قاض ينحذر من منطقة سوس ويحمل الجنسية الفرنسية، نفسه، أمام حملة تحريضية وعنصرية، تشنها ضده مجلة محسوبة على اليمين المتطرف في فرنسا.
وخصصت المجلة اليمينية سلسلة مقالات هجومية على يوسف بدر، القاضي بالمحكمة الابتدائية بمنطقة بوبييني شمال شرق العاصمة الفرنسية باريس، حيث بات يتصدر غلافها في الكثير من أعدادها وفي موقعها على الانرتنت.
وتعود أطوار القضية إلى 18 يونيو المنصرم، حين قضت الغرفة التلبسية رقم 14، برئاسة يوسف بدر، بحبس إريك تيغنييه، مدير نشر المجلة، لمدة 6 أشهر موقوفة التنفيذ وغرامة مالية قدرها 10 آلاف يورو.
وجاء حكم القاضي بعد أن نشرت المجلة معطيات تسمح بالتعرف على هويات ومواقع محامين متخصصين في الدفاع عن الأجانب وتحديد أماكنهم، ما عرضهم لمخاطر الاعتداء. ولا يزال الصحفي يطعن في ارتكاب أي مخالفة واستأنف الحكم.
ومنذ ذلك الحين، يؤكد القاضي تعرضه لإهانات عنصرية وتهديدات بالتصفية. وقد دفعت هذه الموجة الجديدة من رسائل الكراهية النيابة العامة بباريس إلى دراسة الملف.
وبدأ الهجوم على القاضي ذي الأصول المغربية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تلقى رسائل عنصرية وتهديدات. وهو ما دفع هيئة المحامين بباريس إلى تقديم الدعم له، والتذكير بأن القضاة الثلاثة الذين أصدروا القرار اتخذوه بشكل هيئة جماعية.
وهذا الأسبوع، عادت مجلة ”فرونتير” لتهاجم من جديد، حيث خصصت ملفا مطولا للقاضي، ونبشت في منشوراته القديمة على منصات التواصل الاجتماعي ومداخلاته العمومية.
وشكك مديرها في حياده، ولا سيما بسبب مواقفه المناهضة للتمييز وتدبيره لعمل جمعوي. وفي المقابل، دافع إريك تيغنييه عن حق مجلته في التحري حول قاض أضحى شخصية عامة، مع إدانته للإهانات العنصرية والتهديدات.
واختار يوسف بدر أسلوب السخرية للرد؛ حيث كتب أمس الخميس 15 أكتوبر في مقال نشر على موقع ”ميديا بارت”: «أبحث بجد منذ الأمس عن الفضيحة المفترضة». وروى أن فريقا من مجلة ”فرونتير” حضر شخصيا إلى محكمة بوبييني ليسأله عن سبب عدم إجابته على أسئلة المجلة.
ويرفض القاضي هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، مؤكدا أنه لم يحمل قط بطاقة أي حزب سياسي ولم ينتم لأي نقابة. أما عن نضاله، فيتمثل في جمعية أسسها سنة 2021 لمساعدة طلبة القانون المنحدرين من وسط اجتماعي هش على مواصلة دراستهم والولوج إلى المهن القضائية.
والمسار الشخصي ليوسف بدر يوضح جليا سر هذا الالتزام؛ فهو نجل مهاجرين مغربيين ينحدران من إحدى قرى منطقة سوس. كان والده يعمل في مجال البناء، ووالدته في تنظيف البيوت. وقبل اجتيازه بنجاح مباراة المعهد الوطني للقضاء، كان يزاول أعمالا بسيطة قصد تمويل دراسته، لا سيما في الأسواق وشبكات التوصيل، ليصبح لاحقا متحدثا رسميا باسم وزارة العدل الفرنسية.
وبيرى القاضي أن لمجلة اليمينية المتطرفة، تريد اليوم تحويل هذا النضال من أجل تكافؤ الفرص إلى شبهة موالاة وتسييس.
وأكد أن جمعيته واكبت آلاف الطلاب دون أي تمييز في الأصول أو القناعات ودون أي دعم مالي عمومي. كما شدد على التسلسل الزمني للأحداث: فالهجمات الموجهة ضده لم تبدأ إلا بعد حكم الإدانة الصادر في يونيو.
وأخذت القضية أبعادا مؤسساتية؛ إذ عبر جاك بولار، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بباريس، عن «قلقه البالغ» إزاء هجمات اعتبرها غير مسبوقة من حيث حجمها واستمراريتها، مذكرين بأن حرية انتقاد الأحكام القضائية لا ينبغي أن تتحول إلى استهداف شخصي للقاضي الذي أصدرها.
ومساء أمس الخميس، دخل جيرالد دارمانان على الخط شخصيا، حيث أعلن وزير العدل أنه أجرى اتصالا هاتفيا بيوسف بدر ليعرب له عن دعمه الكامل، معلقا: «لا ينبغي لأي قاض أن يكون عرضة للتهديد أو الإهانة».
من جهتها، أكدت النيابة العامة بباريس أنها تدرس العدد الجديد من مجلة ”فرونتير” والتعليقات التي أثارها، حسب ما أوردته صحيفة ”لو باريزيان’‘، فيما لا يزال التحقيق الجنائي -الذي فتح عقب الموجة الأولى من التهديدات في يونيو- جاريا.















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇