عبدالحميد البجوقي
ليس سهلاً قراءة إحاطة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، أمام مجلس الأمن في 8 أكتوبر 2026، باعتبارها مجرد تقرير تقني عن تعثر المفاوضات. الوثيقة، في عمقها السياسي، تكشف عن مفارقة أكبر، مفارقة أن ملف الصحراء دخل بالفعل مرحلة جديدة، لكن جزءاً من المنظومة الأممية التي رافقته طوال عقود لا يزال يحاول الانتقال إلى هذه المرحلة بحذر شديد، محتفظاً في الطريق بعدد من مفردات وآليات المرحلة السابقة.
المفارقة الأساسية في خطاب دي ميستورا تبدو واضحة حين يعترف صراحة بأن المفاوضات وصلت إلى «طريق مسدود»، ويُقرُّ بأن تجاوز هذا الانسداد يحتاج إلى تحرك من مجلس الأمن، ثم يضع الحكم الذاتي في مركز المرحلة المقبلة، بل يقول إن «الحكم الذاتي الحقيقي» هو الخيار الذي يستحق أن يحظى بالاهتمام الأكبر. لكنه، في الوقت نفسه يعيد إلى الواجهة مفردات ظلت لعقود جزءاً من قاموس الملف، تقرير المصير، إشراك الصحراويين في المشاورات، تحديد شكل المشاركة الشعبية، زيارات اللاجئين إلى العيون والداخلة، والضمانات الدولية القوية.
هنا تكمن أهمية هذه الإحاطة وتناقضها في تقديري، فهي لا تُعيد الملف صراحة إلى نقطة الصفر، لكنها تكشف أن الانتقال من منطق قديم إلى منطق جديد لم يكتمل بعد.
لقد تغيرت قاعدة اللعبة بعد القرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، حين نقل مقترح الحكم الذاتي المغربي من موقع المبادرة التي تقدم بها المغرب إلى موقع أكثر مركزية، عندما جعله أساساً للمفاوضات المقبلة. وهذه ليست مجرد صياغة دبلوماسية عابرة، بل تحول في مركز الثقل السياسي للملف. ومع ذلك، يبدو أن جزءاً من الخطاب الأممي ما زال يحاول الاحتفاظ بمساحة واسعة من المفاهيم التي كانت تحكم المرحلة السابقة.
المشكلة هنا ليست في استعمال عبارة «تقرير المصير» في حد ذاتها، فهي جزء من المرجعية الأممية للنزاع، وإنما في السؤال المتعلق بما يعنيه هذا المفهوم داخل المسار الجديد. فإذا أصبح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، فإن السؤال لم يعد هو السؤال نفسه الذي كان مطروحاً في بداية التسعينيات من القرن الماضي. لم يعد النقاش المركزي هو كيفية تنظيم استفتاء، ومن يحق له المشاركة فيه، وكيف يتم تحديد الهيئة الناخبة، وهي المسائل التي استنزفت سنوات طويلة من العملية الأممية. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو كيف يمكن تحويل الحكم الذاتي إلى تسوية سياسية متفاوض عليها، ذات مضمون مؤسساتي واضح، تضمن للسكان إدارة شؤونهم وتُحدد الصلاحيات والضمانات وآليات التنفيذ.
أما إعادة استحضار مفردات المرحلة السابقة من دون تحديد حدودها، فقد تؤدي إلى إعادة إنتاج الغموض نفسه الذي عطّل الملف لعقود.
لعل أكثر ما يُلفت في إحاطة دي ميستورا هو اقتراح تنظيم زيارات فردية وطوعية للاجئين الصحراويين إلى العيون والداخلة بهدف الاطلاع على الأوضاع وطرح الأسئلة المتعلقة بمقترح الحكم الذاتي. لا شك أن مثل هذه المبادرة يمكن أن تكون مُفيدة من الناحية الإنسانية، وقد تُسهم في بناء الثقة وتوسيع دائرة المعرفة المتبادلة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً سياسياً بالغ الحساسية، هل نحن أمام محاولة لتسهيل التسوية، أم أمام إعادة بناء البيئة السياسية والاجتماعية التي كانت مرتبطة أصلاً بمرحلة الاستفتاء؟
مسألة تحديد من يمثل «الشعب الصحراوي» ومن يملك حق التعبير عن إرادته كانت دائماً إحدى أعقد عناصر هذا الملف، وقد كانت مسألة تحديد الهيئة الناخبة من الأسباب الرئيسية التي جعلت الاستفتاء الذي قامت عليه بعثة الأمم المتحدة في الأصل أمراً بالغ الصعوبة. لذلك فإن إعادة فتح هذا الباب، ولو بصيغة جديدة، يمكن أن يُعيد معه جزءاً من التعقيدات التي ظلت تعرقل العملية طوال عقود.
لا يبدو دي ميستورا ساذجاً بقدر ما يبدو أسير معادلة دبلوماسية شديدة التعقيد، هو يدرك أن مركز الثقل انتقل نحو الحكم الذاتي، لكنه يحاول في الوقت نفسه ألا يقطع بصورة نهائية مع اللغة الأممية التقليدية. يريد أن يفتح باباً جديداً من دون أن يغلق الأبواب القديمة، وهذه هي بالضبط نقطة الضعف في مقاربته، لأنها قد تجعل العملية السياسية تتحرك في اتجاهين متوازيين، اتجاه جديد يقوده منطق التسوية السياسية والحكم الذاتي، واتجاه قديم يستعيد مفردات تقرير المصير والهوية والضمانات الدولية وكأن الزمن لم يتغير.
التحول الذي عرفه الملف خلال السنوات الأخيرة لا يمكن محوه بإعادة تدوير المصطلحات. المواقف الدولية تغيرت، ومركز النقاش داخل مجلس الأمن تغير، والحكم الذاتي أصبح أساساً للتفاوض بموجب القرار 2797، كما أن مواقف عدد من القوى الدولية الكبرى اتجهت بوضوح أكبر نحو التعامل مع الحكم الذاتي باعتباره إطاراً عملياً للحل، وهذا لا يعني أن هناك إجماعاً دولياً نهائياً حول كل تفاصيل التسوية، ولا أن الخلافات القانونية والسياسية اختفت، لكنه يعني أن الملف لم يعد يعيش في البيئة الدولية نفسها التي كان يعيش فيها قبل عقدين أو ثلاثة.
لذلك فإن الجمود الحالي يمكن قراءته بطريقة مختلفة، هو لا يعني بالضرورة فشل المسار الجديد، بل قد يكون نتيجة طبيعية للاحتكاك بين المسار الجديد وبقايا المسار القديم. حين تنتقل قضية عمرها أكثر من نصف قرن من مرجعية إلى أخرى، لا تتغير المؤسسات واللغة والمفاهيم في ليلة واحدة. هناك دائماً مقاومة، وهناك دائماً محاولة للاحتفاظ ببعض الأدوات السابقة، وهناك دائماً حِرْص من الوسطاء الدوليين على عدم الظهور وكأنهم تخلّوا فجأة عن إرث طويل من القرارات والمقاربات.
يؤكد ديميستورا أن الحكم الذاتي هو الخيار الذي ينبغي أن يحظى بالاهتمام الأكبر، لكنه يحيطه بشروط كثيرة، من قبيل أنه يُوفر أساساً متيناً للمفاوضات، لكنه ليس وثيقة جاهزة للاعتماد. يُطالب البوليساريو بدراسة المقترح وتقديم تعديلات واقتراحات، ويعترف بأن نقطة الانطلاق قد تغيرت ، لكنه لا يُريد التخلي سريعاً عن كل أدوات الماضي.
بالنسبة إلى المغرب، لم يعد التحدي مقتصراً على الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي باعتباره خياراً سياسياً، وإنما أصبح المطلوب تحويله إلى إطار تفاوضي قابل للتفصيل والتطوير، بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب الأسئلة التي تطرحها المرحلة الجديدة. الإشارة التي قدمها دي ميستورا إلى الوثيقة المغربية الموسعة، المؤلفة من 39 صفحة، مهمة في هذا السياق، لأنه أقر بأنها توفر أساساً متيناً للتفاوض، حتى وإن كانت تحتاج إلى مزيد من النقاش.
وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون معركة شعارات، بل معركة تفاصيل، من قبيل المؤسسات، توزيع الصلاحيات، التشريع، القضاء، الموارد، المشاركة السياسية، الضمانات، وآليات تنفيذ الاتفاق. وكلما انتقل النقاش إلى هذه التفاصيل، أصبح الحكم الذاتي أقل تجريداً وأكثر قابلية للتحول إلى مشروع تسوية سياسية.
في المُقابل، تواجه جبهة البوليساريو اختباراً مختلفاً. لم يعد المطلوب منها مجرد إعادة طرح مواقفها التقليدية، وإنما التعامل مع مقترح أصبح أساساً للمفاوضات بموجب قرار مجلس الأمن. وهذا يفرض عليها، إذا أرادت أن تكون جزءاً من صناعة التسوية، أن تنتقل من الرفض المبدئي إلى مناقشة التفاصيل، وطرح التعديلات، وتقديم البدائل العملية.
أما الأمم المتحدة، فإن اختبارها الحقيقي سيكون في قدرتها على الانتقال من إدارة النزاع إلى تسهيل الحل، ومن تدوير المرجعيات إلى بناء أرضية جديدة للتفاوض.
ولهذا، فإن إحاطة دي ميستورا لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها انتصاراً للمنطق القديم، كما لا ينبغي التقليل من عناصرها التي يمكن أن تُعيد إنتاج بعض أزمات الماضي. القراءة الأكثر دقة هي أننا أمام مرحلة انتقالية، أمام مسار جديد أصبح واقعاً سياسياً، لكن المؤسسات الدولية التي رافقت المسار القديم لم تتكيف معه بالكامل بعد.
الحرس الدولي القديم، إذا جاز التعبير، لا يزال موجوداً، لكنه لم يعد يملك الأدوات نفسها التي كان يملكها من قبل. يستطيع أن يُبطئ وأن يناور، أن يضيف شروطاً وضمانات، وأن يُعيد تفسير بعض المفاهيم، لكنه لا يستطيع ببساطة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
الصحراء المغربية اليوم ليست هي الصحراء الغربية التي كانت عليها في التسعينيات، ولا هي القضية نفسها التي كانت تُناقَش قبل عشرين عاماً. البيئة الإقليمية تغيرت، والمواقف الدولية تغيرت، ومركز الثقل في مجلس الأمن تغيّر، والحكم الذاتي انتقل إلى موقع مختلف داخل العملية السياسية. والسؤال الحقيقي اليوم هو، كم من الوقت سيحتاج النظام الدولي لكي يتكيف مع هذه التغيرات؟
وهنا تكمن دلالة إحاطة دي ميستورا. فهي تكشف، ربما من دون أن تقصد، أن المعركة المقبلة لن تكون حول إعادة فتح الماضي، وإنما حول كيفية الانتقال من إرثه إلى تسوية جديدة. وبينما يحاول بعض الحرس القديم الاحتفاظ بمفاتيح الأبواب السابقة، فإن باباً جديداً فُتح بالفعل، وأصبح من الصعب إغلاقه.
قد يطول التفاوض، وقد تتعقد شروطه، وقد تظهر محاولات لإعادة إدخال عناصر من الماضي في قلب المرحلة الجديدة، لكن اتجاه الملف لم يعد كما كان.
لقد انتقل مركز النقاش من البحث عن صيغة لإنهاء النزاع إلى البحث عن صيغة سياسية قابلة للتنفيذ لإنهائه.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇