تخطي إلى المحتوى
الأحد 18 أكتوبر 2026 ⛈️ الرباط 20° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
حكومة فاطمة والثورة الثقافية المؤجلة

حكومة فاطمة والثورة الثقافية المؤجلة

Aa حجم النص

عبد الحميد البجوقي

أتابع، مثل كثيرين، هذه الأيام مشهد تشكيل الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، وما يُرافقه من تحليلات وتعليقات وتوقعات، بعضها يذهب إلى أقصى درجات التشاؤم، وبعضها الآخر يرفع سقف التبجيل والتفاؤل إلى حد يكاد يجعل تغيير الحكومة وحده بدايةً لعصر جديد. وبين هذا وذاك، أجدني أقل اهتماماً بالأسماء والحقائب، وأكثر انشغالاً بسؤال آخر. هل تستطيع حكومة، مهما كانت تركيبتها، أن تبني مغرباً جديداً من دون أن يواكبها تحول عميق في الثقافة وفي طريقة تفكير المجتمع؟

ربما لأنني عشت في إسبانيا خلال الثمانينيات، في تلك السنوات التي كان فيها البلد يخرج من ظلال فرانكوية ثقيلة ويبحث عن صورة جديدة لنفسه، فإن المشهد المغربي الراهن يستدعي لديّ شيئاً من تلك الذاكرة.

لم يكن الانتقال الإسباني مُجرّد هندسة دستورية، ولا مجرد انتخابات وأحزاب ومؤسسات. كان هناك، بالتوازي، انتقال في المخيال العام. المثقف كان حاضراً في النقاش، والصحافي، والروائي، والشاعر، والفنان، والمسرحي، والمخرج، والفيلسوف.. كانت الثقافة جزءاً من المعركة على معنى إسبانيا الجديدة، لا زينةً توضع على هامشها. وتشير دراسات تاريخية إلى أن الثقافة والمثقفين والصحافة شكلوا بالفعل جزءاً مهماً من المناخ الذي رافق الانتقال الديمقراطي الإسباني، وأن الرموز الثقافية الكبرى، مثل عودة «غيرنيكا» إلى مدريد، اكتسبت معنى سياسياً ووطنياً يتجاوز الفن نفسه.

لا أقول إن المغرب هو إسبانيا، ولا إن التاريخ يعيد نفسه. الفرق بين التجربتين كبير، والسياقات مُختلفة، والدولة والمجتمع والتاريخ والملكية والمؤسسات ليست عناصر قابلة للاستنساخ. لكن ثمة درساً واحداً يبدو لي صالحاً للتأمل، لا يمكن بناء تحول سياسي واقتصادي عميق بمجتمع لم تتغير بعض بنياته الثقافية والفكرية والنفسية.

وهنا أصل إلى السؤال الذي يقلقني أكثر من أسماء الوزراء، أين المثقفون المغاربة من هذه اللحظة؟

أين الرواية حين يعاد تشكيل المجتمع؟ أين الشعر والفن والمسرح والسينما والفلسفة؟ أين الجامعة؟ أين المفكرون والباحثون؟ أين الصحافة الثقافية؟ وأين ذلك المثقف الذي لا يأتي إلى السياسة ليبحث عن منصب، وإنما يأتي إليها بالسؤال والشك والنقد واقتراح المعنى؟

لا أقصد بالمثقف هنا شخصاً يحتكر الحقيقة أو يتحدث باسم المجتمع، بالعكس. ربما نحن في حاجة إلى مثقف أقل ادعاءً وأكثر إنصاتاً، أقل ولاءً للأشخاص وأكثر وفاءً للأسئلة. مثقف يستطيع أن يقول للحكومة ما لا تريد سماعه، وللمعارضة ما لا تريد سماعه، وللمجتمع أيضاً ما لا يحب أن يسمعه.

المغرب لا يحتاج إلى «ثقافة رسمية» جديدة بقدر ما يحتاج إلى حياة ثقافية حرة وقوية ومستقلة ومُزعجة بالمعنى الإيجابي للكلمة.

نحتاج إلى ثورة في المدرسة قبل أن نتحدث عن ثورة في الاقتصاد. إلى ثورة في علاقتنا بالمعرفة، باللغة، بالكتاب، بالفن، بالجامعة، وبالفضاء العام. نحتاج إلى أن يصبح السؤال والاختلاف والنقد والخيال جزءاً من التربية اليومية، لا خطراً ينبغي تفاديه.

المغرب الذي يريد أن ينافس في الاقتصاد والتكنولوجيا والرياضة والدبلوماسية، ويستعد لاستحقاقات كبرى، لا يستطيع أن يظل يشتغل بعقلية ثقافية قديمة. المشاريع الكبرى تحتاج إلى إنسان جديد أيضاً، تحتاد إلى إنسان يعرف كيف يفكر، وكيف يختلف، وكيف يبتكر، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يعيش المواطنة لا باعتبارها شعاراً وإنما ممارسة.

عبارة “الثورة الثقافية” التي أستعملها هنا لا تعني انقلاباً أيديولوجياً، ولا قطيعة مع الهوية، ولا معركة ضد أحد. أعني بها شيئاً أبسط وأعمق، أعني إعادة ترتيب مكان الثقافة في مشروع الدولة والمجتمع.

ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس من سيكون الوزير؟ بل أي إنسان مغربي نريد أن نصنع خلال العقد المقبل؟

من هذا السؤال تبدأ السياسة الحقيقية في تقديري. الحكومات تتغير، والوزراء يأتون ويذهبون، والبرامج يمكن أن يعاد تعديلها. لكن بناء الإنسان يستغرق جيلاً، وإذا كان المغرب يقف فعلاً أمام مرحلة فارقة، كما يقال كثيراً هذه الأيام، فإن التحدي لن يكون فقط في إنجاز الطرق والموانئ والملاعب والمشاريع والاستثمارات، بل في بناء عقل مغربي قادر على أن يسكن كل هذه التحولات دون أن يظل أسير عقليات الماضي.

لقد كانت إسبانيا في انتقالها بحاجة إلى دستور ومؤسسات وأحزاب، لكنها كانت بحاجة أيضاً إلى مخيال جديد. والمغرب، في لحظته الراهنة، قد يحتاج إلى شيء مشابه في الجوهر، وإن كان مختلفاً في الشكل، أن يتخيل نفسه من جديد.وهذا لا يمكن أن تفعله الحكومة وحدها.

هنا تحديداً ينبغي أن يستعيد المثقف مكانه.ليس في الصفوف الأمامية للتصفيق، ولا في الصفوف الخلفية للشكوى، وإنما في المكان الأصعب، في قلب السؤال.

هل يملك المغاربة اليوم الشجاعة  لفتح هذه الورشة؟

ثورة ثقافية مُجلجلة، تُعيد للإنسان والعقل والخيال مكانهما في مشروع المغرب؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في 24 ساعة عشرون سنة سجناً لمتهم بالتسبب في وفاة العشرات في رحلة… ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات