محمد المتوكي
لا غرو أن النقاش السياسي الجاد حول البرنامج الحكومي لن يستقيم بمجرد رصد نقائصه أو التقاط مواطن القصور فيه، كما لا تقتضي الموضوعية إغفال ما قد يتضمنه من توجهات إيجابية ومداخل واعدة للإصلاح. فالتقييم الرصين للبرامج والسياسات العمومية يقتضي التمييز بين النقد المسؤول الذي يستند إلى الحجة والبديل، وبين المواقف التي تختزل الممارسة السياسية في الاعتراض المجرد والمزايدة الخطابية.
ومن هذا المنطلق، فإن البرنامج الحكومي الذي عرضته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري يستحق أن يناقش في ضوء ما يتضمنه من أولويات وتوجهات، وما يطرحه من رهانات مرتبطة بالاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، وتعزيز أسس العدالة المجالية والاجتماعية، والارتقاء بأداء المرافق العمومية. وهي قضايا لا ينبغي أن تكون موضوع تجاذب سياسي ضيق، بقدر ما تستدعي نقاشاً عمومياً مسؤولاً، يوازن بين تثمين المكتسبات الممكنة والتنبيه إلى الاختلالات، ويقيس الوعود بمدى قابليتها للتنفيذ وأثرها الفعلي في حياة المواطنين.
غير أن المؤسف في بعض ردود فعل المعارضة هو أن جزءا منها بدا أقرب إلى منطق الاعتراض المسبق منه إلى ممارسة النقد المؤسساتي المنتج؛ إذ كان الأجدر أن تتحول منابر النقاش إلى فضاءات لتقديم البدائل، وصياغة المقترحات، ومساءلة الحكومة بشأن آليات التنفيذ والتمويل والجدولة الزمنية، بدل الاكتفاء بتسجيل المواقف أو إطلاق الأحكام التي لا تضيف إلى النقاش العمومي قيمة سياسية أو معرفية حقيقية.
إن المعارضة القوية ليست تلك التي ترفع منسوب الرفض، بل تلك التي ترفع منسوب الاقتراح؛ وليست التي تكتفي بتعداد الاختلالات، بل التي تمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية لتقديم تصورات عملية لتجاوزها. فقيمة المعارضة لا تقاس بحدة خطابها، وإنما بقدرتها على تحويل النقد إلى قوة اقتراح، والمساءلة إلى آلية للتصحيح، والاختلاف إلى رافعة لتجويد السياسات العمومية.
وفي المقابل، فإن الإقرار بالإيجابيات المحتملة لأي برنامج حكومي لا يعني منحه صكا على بياض، أو إعفاء الحكومة من مسؤولية الوفاء بالتزاماتها. فالديمقراطية تقتضي أن تظل البرامج موضوعا للتقييم المستمر، وأن تربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن يحتكم في نهاية المطاف إلى النتائج الملموسة، لا إلى النوايا المعلنة أو الشعارات السياسية.
إن ما يحتاجه المشهد السياسي اليوم ليس معارضة صامتة أو متواطئة، كما لا يحتاج إلى معارضة تجعل من الرفض غاية في ذاته؛ بل يحتاج إلى معارضة ديمقراطية يقظة، تمتلك استقلالية القرار، وجرأة النقد، ونضج الاقتراح، وتدرك أن التنافس السياسي الحقيقي لا ينفصل عن المسؤولية تجاه المجتمع والوطن.
فالاختلاف في الديمقراطية ليس مجرد اختلاف في المواقف، بل هو تنافس في القدرة على الإقناع، وجودة البدائل، والوفاء للمصلحة العامة. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في من ينجح في تسجيل النقطة السياسية الأسرع، وإنما في من يقدم التصور الأجدى، والبديل الأكثر واقعية، والحل الأقدر على الاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.


















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇