تخطي إلى المحتوى
الجمعة 23 أكتوبر 2026 🌤️ الرباط 23° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
السلطة الخامسة في المغرب: من الرقابة الرقمية إلى إعادة تشكيل موازين السلطة والمساءلة

السلطة الخامسة في المغرب: من الرقابة الرقمية إلى إعادة تشكيل موازين السلطة والمساءلة

Aa حجم النص

رضوان الرياش

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات افتراضية للتواصل وتبادل الأخبار والصور والمواقف، بل تحولت تدريجيا إلى قوة مجتمعية ضاغطة، قادرة على التأثير في الرأي العام، وإرباك المؤسسات، ومساءلة المسؤولين، بل والمساهمة أحيانا في تسريع قرارات الإعفاء والإقالة والتراجع عن بعض الاختيارات العمومية.

لقد أصبحنا أمام تحول عميق في العلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث لم تعد المؤسسات الدستورية والإدارية تحتكر إنتاج المعلومة وتفسير الأحداث وتوجيه النقاش العمومي، كما لم تعد الصحافة التقليدية تتمتع بالاحتكار شبه المطلق للوساطة بين المواطن وصانع القرار. فقد ظهر فاعل جديد، متعدد الأصوات، سريع الانتشار، يصعب التحكم في إيقاعه، يتمثل فيما يمكن تسميته بـالسلطة الخامسة: سلطة المجتمع الرقمي.

وتزداد أهمية هذا التحول في السياق المغربي، بالنظر إلى تنامي تأثير المنصات الرقمية في إثارة قضايا الفساد، واختلالات المرافق العمومية، والسلوكيات الصادرة عن بعض المسؤولين، وفي تحويل وقائع محلية محدودة إلى قضايا وطنية تستدعي التفاعل المؤسساتي.

غير أن هذا التحول يثير إشكالا دستوريا وسياسيا معقدا، فإذا كانت السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية تستمد شرعيتها واختصاصاتها من الدستور والقانون، وإذا كانت الصحافة تمارس دورها الرقابي استنادا إلى حرية التعبير والحق في الإعلام، فإن مواقع التواصل الاجتماعي تستمد قوتها من الانتشار والتفاعل والتعبئة والضغط الجماهيري، دون أن تكون سلطة دستورية منظمة أو خاضعة لنظام موحد للمسؤولية.

ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية: كيف يمكن لسلطة غير دستورية، وغير منتخبة، وغير مؤسساتية، أن تمارس تأثيرا متزايدا على سلط دستورية قائمة، بل وأن تتحول إلى قوة تراقب حتى السلطة الرابعة نفسها؟

وتكتسب هذه الإشكالية راهنيتها من خلال حالات الإعفاء والإبعاد التي ارتبطت في النقاش العمومي المغربي بانتشار محتويات رقمية مثيرة للجدل، ومنها ما يتعلق بإعفاء وزيرة، وإعفاء مسؤول ثقافي بسيدي قاسم، وإبعاد الناطق الرسمي لنادي الوداد الرياضي.

فهذه الحالات، رغم اختلاف طبيعتها القانونية والمؤسساتية، تسمح بطرح سؤال مركزي: هل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مجرد آلية لكشف الاختلالات، أم تحولت إلى قوة فعلية في صناعة القرارات المتعلقة بمصير المسؤولين؟

ولمعالجة هذه الإشكالية، ينبغي التمييز بين الرقابة المجتمعية المشروعة، والضغط الرقمي، والمساءلة القانونية والمؤسساتية، مع الوقوف عند ما تحمله هذه السلطة الصاعدة من فرص ديمقراطية ومخاطر على دولة القانون.

أولا: السلطة الخامسة وتحول مفهوم الرقابة من المؤسسات إلى المجتمع

ارتبط مفهوم فصل السلط تاريخيا بالفيلسوف مونتسكيو الذي اعتبر توزيع الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية ضمانة أساسية للحرية ومنعا للاستبداد. ومع تطور الديمقراطية الحديثة، برزت الصحافة باعتبارها سلطة رابعة، نظرا لقدرتها على كشف الاختلالات ومراقبة الممارسة السياسية والتأثير في الرأي العام. لكن الثورة الرقمية أفرزت وضعا جديدا، لم يعد فيه المواطن مجرد متلق للمعلومة، بل أصبح منتجا لها وناشرا ومعلقا ومؤثرا في انتشارها.

وهنا تكمن خصوصية السلطة الخامسة، فهي لا تمتلك سلطة التشريع، ولا صلاحية إصدار الأحكام القضائية، ولا اختصاص اتخاذ القرارات التنفيذية، لكنها تمتلك ثلاثة عناصر أساسية للقوة: المعلومة، والتعبئة الرأي العام، والثأثير في الصورة والمصداقية التي يتمتع بها المسؤولين والمؤسسات أمام المجتمع. وتتميز هذه السلطة بكونها أفقية وغير مركزية، إذ يمكن لمواطن عادي أن يطلق نقاشا يتجاوز تأثيره أحيانا ما تنتجه المؤسسات الإعلامية الكبرى، وأن يحول واقعة محدودة إلى قضية وطنية خلال ساعات قليلة.

إننا، بهذا المعنى، أمام انتقال جزئي من الرقابة المؤسساتية التقليدية إلى الرقابة المجتمعية المفتوحة، حيث أصبح المسؤول العمومي يخضع، إلى جانب المساءلة القانونية والسياسية، لمساءلة مستمرة يمارسها جمهور رقمي واسع. غير أن وصف مواقع التواصل الاجتماعي بالسلطة الخامسة يظل توصيفا سياسيا وسوسيولوجيا، وليس تصنيفا دستوريا. فهي لا تشكل سلطة قائمة بذاتها في البناء الدستوري المغربي، ولا تملك اختصاصا قانونيا مستقلا لمعاقبة المسؤولين أو إعفائهم. وهذا التمييز ضروري حتى لا نخلط بين القدرة على التأثير في القرار وبين امتلاك سلطة اتخاذه.

ثانيا: كيف تراقب السلطة الخامسة السلط الدستورية الثلاث؟

1-مراقبة السلطة التنفيذية: من مساءلة السياسات إلى التأثير في مصير المسؤولين

تعتبر السلطة التنفيذية الأكثر تعرضا للرقابة الرقمية، بحكم مسؤوليتها المباشرة عن تدبير السياسات العمومية والمرافق والخدمات الأساسية. فكل اختلال في مستشفى، أو مدرسة، أو إدارة، أو جماعة ترابية، يمكن أن يتحول إلى مادة رقمية تثير نقاشا واسعا حول جودة الخدمات العمومية ومسؤولية القائمين عليها. ولم تعد هذه الرقابة تقتصر على تقييم النتائج، بل امتدت إلى التدقيق في مسارات المسؤولين، ومؤهلاتهم، وتصريحاتهم، وسلوكياتهم السابقة، ومدى استحقاقهم للمناصب التي يشغلونها.

وهذا التحول يعيد طرح سؤال جوهري: هل أصبحت الرقابة الرقمية تكشف اختلالات عجزت آليات المراقبة الإدارية والسياسية عن اكتشافها، أم أنها تستفيد فقط من السرعة والانتشار لتضخيم بعض الوقائع؟ والأرجح أن الأمر يجمع بين الظاهرتين، فقد تكشف المنصات معطيات جدية تستوجب التحقيق، لكنها قد تتحول أيضا إلى فضاءات للمحاكمات المعنوية القائمة على معلومات مبتورة أو غير دقيقة.

2- مراقبة السلطة التشريعية: من التمثيل الانتخابي إلى المساءلة اليومية

إذا كانت الرقابة التقليدية على البرلمان تتم أساسا من خلال الانتخابات والمحاسبة السياسية، فإن مواقع التواصل الاجتماعي أوجدت شكلا من المساءلة المستمرة للبرلمانيين. فالمواطن يستطيع اليوم تتبع المواقف التشريعية، ومناقشة التصويت على القوانين، وانتقاد الغياب عن الجلسات، ومساءلة المنتخبين بشأن مدى وفائهم بالتزاماتهم الانتخابية.

وبذلك لم تعد العلاقة بين الناخب والمنتخب محصورة في موعد انتخابي دوري، بل أصبحت علاقة مفتوحة على التقييم والانتقاد والمطالبة بالتفسير. لكن الإشكال يكمن في احتمال تحول الضغط الرقمي إلى عامل يدفع بعض البرلمانيين إلى تبني مواقف شعبوية، بحثا عن التفاعل والإعجاب، عوض الاحتكام إلى المصلحة العامة والتقدير التشريعي الرصين. فالبرلمان مطالب بالإنصات للرأي العام، لكنه ليس مطالبا بالتخلي عن استقلالية قراره أمام كل موجة غضب رقمي.

3– مراقبة السلطة القضائية: بين شفافية العدالة وخطر المحاكمة الافتراضية

تبدو العلاقة بين السلطة القضائية ومواقع التواصل الاجتماعي أكثر حساسية وتعقيدا. فمن جهة، تسهم المنصات في تسليط الضوء على قضايا تهم العدالة، وفي تعزيز النقاش حول الحق في المحاكمة العادلة، والمساواة أمام القانون، وضرورة التعليل والشفافية. ومن جهة أخرى، قد تتحول إلى فضاءات تصدر فيها أحكام الإدانة أو البراءة قبل أن تقول المحكمة كلمتها.

وهنا يظهر تعارض محتمل بين حق المجتمع في المعرفة والنقاش، وبين استقلال القضاء وقرينة البراءة وحماية الحياة الخاصة. فالفصل 107 من الدستور المغربي يقرر استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما أن الفصل 119 يكرس قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة.

وعليه، فإن الرقابة المجتمعية المشروعة على العدالة يجب ألا تتحول إلى ضغط يرمي إلى توجيه الأحكام القضائية أو التأثير على القضاة. فالعدالة التي تخضع لمزاج المنصات لا تكون أكثر ديمقراطية بالضرورة، بل قد تصبح أقل استقلالا وأكثر عرضة للتأثير والانفعال.

ثالثا: السلطة الخامسة ومساءلة السلطة الرابعة: هل فقدت الصحافة احتكارها للمعلومة؟

لعل أحد أبرز التحولات التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي يتمثل في إعادة ترتيب العلاقة بين الصحافة والمجتمع. فقد كانت الصحافة التقليدية تتولى، إلى حد كبير، اختيار القضايا التي تستحق النشر، وتحديد أولويات النقاش العمومي، والتحقق من المعلومات قبل تقديمها للجمهور.

أما اليوم، فقد أصبح المواطن قادرا على نشر الخبر قبل وصول الصحافي إلى مكان الحدث، وأصبحت بعض المؤسسات الإعلامية تستمد موضوعاتها من النقاشات الرائجة على المنصات. بل إن العلاقة انقلبت أحيانا، فبعدما كانت الصحافة تراقب السلطة السياسية، أصبحت هي نفسها خاضعة لمراقبة الجمهور الرقمي الذي يدقق في أخبارها وعناوينها وصورها ومصادرها، وينتقد انحيازاتها وأخطاءها.

وهذا التحول يحمل بعدا ديمقراطيا مهما، لأنه يضع حدا لاحتكار إنتاج الخطاب العمومي. غير أنه يطرح في المقابل إشكالية تراجع معايير التحقق المهني أمام منطق السرعة والمنافسة على المشاهدات. فالصحافة تخضع لقواعد مهنية وأخلاقية ومسؤوليات قانونية، بينما يستطيع ناشر مجهول الهوية أحيانا أن يروج اتهاما خطيرا دون تقديم أدلة كافية.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتحديد أي السلطتين أقوى، وإنما ببناء علاقة تكاملية بينهما، بحيث تستفيد الصحافة من يقظة المجتمع الرقمي، ويستفيد المجتمع من أدوات الصحافة في التحقق والتفسير والتوثيق. فالسلطة الخامسة قد تكشف الخبر، لكن الصحافة المهنية مطالبة بالتحقق منه ووضعه في سياقه، وعدم تحويل مجرد انتشاره إلى دليل على صحته.

رابعا: هل تعزز السلطة الخامسة الديمقراطية أم تهدد دولة القانون؟

يمكن النظر إلى هذه السلطة من زاويتين متكاملتين. فمن الناحية الإيجابية، تساهم مواقع التواصل الاجتماعي في توسيع المشاركة السياسية، وكسر احتكار المعلومة، وكشف الاختلالات، وتعزيز ثقافة المساءلة، وإجبار بعض المؤسسات على تحسين تواصلها مع المواطنين.

كما أنها تمنح فئات اجتماعية كانت تعاني من ضعف التمثيل الإعلامي والسياسي إمكانية التعبير عن مطالبها وإيصال صوتها إلى دوائر القرار. غير أن هذه الإيجابيات لا تلغي مخاطر حقيقية، أبرزها إمكانية صناعة حملات منظمة لتشويه الأشخاص، والتلاعب بالرأي العام بواسطة الحسابات الوهمية، ونشر المعلومات المضللة، وانتهاك الحياة الخاصة، وإصدار أحكام جماهيرية قبل التحقق من الوقائع.

والأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات قد تتجه إلى اتخاذ قرارات متسرعة تحت ضغط الرأي العام، بدل الاعتماد على التحقيق والتقييم والضمانات القانونية. وهنا يبرز مفهوم الشعبوية الرقمية، التي قد تجعل شعبية الموقف أهم من صحته، وسرعة الاستجابة أهم من سلامة القرار.

كما تطرح المنصات مشكلة عدم المساواة في القدرة على التأثير، فالأشخاص الذين يمتلكون شبكات رقمية واسعة، أو موارد مالية وإعلامية كبيرة، قد يستطيعون توجيه النقاش أكثر من فئات أخرى لا تملك الوسائل نفسها. ومن ثم، لا ينبغي الخلط بين التعبئة الرقمية والإرادة الشعبية في معناها الديمقراطي والدستوري.

فالإرادة الشعبية تتجسد مؤسساتيا عبر آليات الانتخاب والمشاركة والتمثيل المنصوص عليها دستوريا، بينما تعبر التفاعلات الرقمية عن اتجاهات ومواقف قد تكون مهمة، لكنها لا تمثل بالضرورة مجموع المجتمع.

خامسا: السلطة الخامسة وإعادة تعريف المسؤولية السياسية في المغرب

ينص الفصل الأول من الدستور المغربي على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ لا يقتصر على المسؤولية الجنائية أو التأديبية، بل يشمل أيضا أبعادا سياسية وأخلاقية وتدبيرية. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار السلطة الخامسة إحدى الآليات المجتمعية التي تسهم في تفعيل ثقافة المحاسبة، شريطة عدم الخلط بينها وبين المؤسسات المختصة.

فمواقع التواصل الاجتماعي تستطيع كشف واقعة أو إثارة شبهة أو المطالبة بتفسير، لكنها لا تستطيع قانونا أن تحل محل البرلمان في مساءلة الحكومة، أو محل القضاء في الفصل في النزاعات، أو محل الإدارة في اتخاذ القرارات الداخلة في اختصاصها.

كما أن الدستور المغربي يوفر أساسا مهما لهذه الرقابة المجتمعية من خلال الفصل 25 المتعلق بحرية الفكر والرأي والتعبير، والفصل 27 الخاص بالحق في الحصول على المعلومات، والفصل 28 المتعلق بحرية الصحافة، والفصل 15 الخاص بتقديم العرائض إلى السلطات العمومية.

لكن ممارسة هذه الحقوق تظل مرتبطة باحترام حقوق الآخرين والضمانات الدستورية والقانونية. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير تصور جديد للمساءلة العمومية يقوم على التكامل بين الرقابة المؤسساتية والرقابة الإعلامية والرقابة المجتمعية الرقمية.

ويقتضي هذا التصور اعتماد جملة من الإصلاحات، من أهمها تعزيز الشفافية في التعيينات العمومية، وتطوير آليات التدقيق السابقة على إسناد المسؤوليات، وإلزام المؤسسات بتقديم توضيحات دقيقة عند حدوث أزمات، وتقوية الحق في الحصول على المعلومات، وترسيخ التربية الإعلامية والرقمية.

كما يقتضي حماية الأشخاص من التشهير والاتهامات غير المؤسسة، حتى لا تصبح المحاسبة وسيلة للانتقام أو الإقصاء. والغاية ليست تقييد حرية التعبير أو تحصين المسؤولين من النقد، وإنما ضمان أن يكون النقد وسيلة للإصلاح، وأن تستند المحاسبة إلى الوقائع والأدلة والمساطر القانونية.

سادسا: نحو سلطة خامسة مسؤولة لا سلطة بديلة عن المؤسسات

إن التحول الرقمي يفرض إعادة التفكير في العلاقة بين المؤسسات والمجتمع. فالدولة الحديثة لم تعد قادرة على تدبير صورتها العمومية بالاعتماد على البلاغات الرسمية وحدها، كما أن المؤسسات لم تعد تستطيع تجاهل النقاشات التي تتشكل خارج قنواتها التقليدية. لكن الاستجابة لهذا التحول لا ينبغي أن تقوم على الخضوع الدائم للضغط الرقمي، بل على بناء مؤسسات قوية وشفافة وقادرة على التفاعل دون التفريط في استقلالية القرار. يمكن هنا التمييز بين ثلاثة نماذج محتملة للعلاقة بين السلطة الخامسة والمؤسسات.

 النموذج الأول هو نموذج التجاهل، حيث تتعامل المؤسسات مع النقاش الرقمي باعتباره مجرد ضجيج عابر، وهو نموذج قد يؤدي إلى تآكل الثقة وتصاعد الاحتقان.

والنموذج الثاني هو نموذج الخضوع، حيث تتحول المؤسسات إلى أجهزة تستجيب بصورة تلقائية لكل حملة رقمية، وهو نموذج يهدد استقرار القرار العمومي والضمانات القانونية.

أما النموذج الثالث، وهو الأكثر انسجاما مع دولة القانون، فيقوم على التفاعل المسؤول، بحيث تنصت المؤسسات إلى الرأي العام، وتتحقق من المعطيات، وتشرح قراراتها، وتصحح الاختلالات عند ثبوتها، دون أن تتخلى عن اختصاصاتها الدستورية والقانونية. وفي هذا الإطار، ينبغي أن تكون السلطة الخامسة قوة اقتراح وتنبيه ومراقبة مجتمعية، لا سلطة اتهام وعقاب خارج القانون.

      في الأخير تكشف حالات إعفاء الوزيرة مديحة خيير، وإلغاء تعيين مدير المركز الثقافي بسيدي قاسم، وتراجع نادي الوداد الرياضي عن تعيين ناطقه الرسمي، عن تحول متسارع في طبيعة العلاقة بين المؤسسات والرأي العام. فلم يعد المسؤول يواجه فقط رقابة رؤسائه أو البرلمان أو القضاء أو الصحافة، بل أصبح معرضا أيضا لمراقبة جمهور رقمي واسع، يستطيع استحضار مواقفه السابقة، ومناقشة مؤهلاته، والتشكيك في قراراته، والمطالبة بمحاسبته.

وهذا التحول قد يشكل مكسبا ديمقراطيا حقيقيا إذا أسهم في كشف الاختلالات وتوسيع المشاركة وتعزيز الشفافية. لكنه قد يتحول إلى مصدر تهديد لدولة القانون إذا أصبحت الاتهامات الرقمية بديلا عن الإثبات، والانتشار بديلا عن الحقيقة، والغضب الجماهيري بديلا عن المساطر القانونية.

إن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمدى قدرة السلطة الخامسة على مراقبة السلط الثلاث والسلطة الرابعة، بل أصبح يتعلق أيضا بمن يراقب هذه السلطة الخامسة، ومن يضمن نزاهة المعلومات التي تنتجها، ومن يحمي المجتمع من التلاعب الرقمي، ومن يحمي الأفراد من المحاكمات الافتراضية؟

ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن السلطة الخامسة، وهي تطالب الجميع بالشفافية والمحاسبة، لا تخضع هي نفسها لمنظومة مؤسساتية موحدة تضمن الشفافية والمساءلة بالقدر ذاته. وهذا لا يعني الدعوة إلى إخضاع المواطنين لرقابة سياسية على آرائهم، وإنما إلى تعزيز المسؤولية القانونية الفردية، وشفافية المنصات، واستقلال الإعلام، وثقافة التحقق، وحماية حرية التعبير.

إن الديمقراطية لا تقاس فقط بقدرة المواطنين على إسقاط مسؤول أو دفع مؤسسة إلى التراجع عن قرار، وإنما تقاس كذلك بقدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات عادلة ومعللة، حتى عندما يكون الرأي العام غاضبا. فالسلطة الخامسة يمكن أن تكون ضميرا مجتمعيا يوقظ المؤسسات من الجمود، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة جماهيرية تصدر أحكامها دون ضمانات.

وبين قوة الرقابة الرقمية وضرورة احترام المشروعية الدستورية، يتحدد أحد أبرز تحديات الديمقراطية المغربية في المرحلة المقبلة: هل نريد سلطة خامسة تساعد على بناء دولة المؤسسات، أم سلطة رقمية يصبح فيها عدد الإعجابات والمشاركات أقوى من القانون والمؤسسات؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يؤطر النقاش حول مستقبل الرقابة والمحاسبة في المغرب، لأن الغاية ليست أن تنتصر سلطة على أخرى، وإنما أن تنتصر الديمقراطية والحقوق والحريات وسيادة القانون.

خبير في السياسات العمومية والقانون الدستوري

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في كُتّاب وآراء من يفتقد الديمقراطية داخل حزبه، كيف يمارسها؟ ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات