تخطي إلى المحتوى
الأحد 25 أكتوبر 2026 ☀️ الرباط 20° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
مشروع ميزانية 2027: هل يحمل توجهاً كينزياً؟

مشروع ميزانية 2027: هل يحمل توجهاً كينزياً؟

Aa حجم النص

عبد السلام الصديقي°

يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 اختباراً أولياً لقدرة الحكومة الجديدة على تحويل التزاماتها السياسية إلى اختيارات في الميزانية. وتتيح مقارنته بالبرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 الوقوف على مدى التقارب بين التوجهات المعلنة والوسائل المقررة لتنفيذها. كما تفتح المجال للتساؤل عن الفلسفة الاقتصادية التي يقوم عليها هذا المشروع. فمن الوهلة الأولى، يبدو أن الأهمية التي يمنحها للاستثمار العمومي وللجهد الاجتماعي تضفي عليه طابعاً كينزياً. غير أن هذا الانطباع يحتاج إلى فحص الأرقام والشروط التي تسمح لهذه الاختيارات بتحقيق نتائجها.

من البرنامج الحكومي إلى مشروع قانون المالية: ترجمة جزئية

يطرح البرنامج الحكومي أهدافاً طموحة، من بينها تحقيق نمو اقتصادي بمعدل متوسط يبلغ 5 في المائة سنوياً خلال الفترة 2027-2031، وخفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وحصر الدين العمومي في حدود 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في أفق سنة 2031. كما يهدف إلى تعزيز الدولة الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية، وتشجيع تشغيل الشباب، والحد من الفوارق بين الجهات. ويطمح، أخيراً، إلى رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني.
يقدم مشروع ميزانية 2027 ترجمة أولية لهذه التوجهات على المستوى المالي. ومن الطبيعي ألا تجد جميع الالتزامات الواردة في البرنامج صداها الفوري في الميزانية؛ فبعضها يتطلب إصلاحات، وبعضها الآخر يحتاج إلى برامج تمتد على عدة سنوات. لذلك لا يمكن لميزانية السنة الأولى أن تحقق وحدها جميع الالتزامات التي قُطعت على مدى خمس سنوات.
ومع ذلك، فإن أهم التوجهات الاقتصادية والاجتماعية بدأت تجد طريقها إلى مشروع قانون المالية. فالاستثمار العمومي ما زال يحظى بمكانة مهمة، والاعتمادات المخصصة للصحة والتعليم ترتفع، كما أُعلن عن تدابير ترمي إلى دعم القدرة الشرائية وتعزيز الحماية الاجتماعية.
لكن هناك فارقاً يستحق التوقف عنده. فبينما يستهدف البرنامج الحكومي نمواً متوسطاً قدره 5 في المائة خلال خمس سنوات، قدم الوزير مشروع ميزانية 2027 على أساس توقع نمو يبلغ 3.7 في المائة. ولا يحسم هذا الفارق في نتائج السنوات اللاحقة، لكنه يذكّر بأن الهدف الحكومي ما زال طموحاً ينبغي العمل على بلوغه. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت الوسائل المرصودة ستسمح بتسريع النمو بشكل مستدام، وجعله أكثر قدرة على خلق فرص الشغل.

الاستثمار العمومي والجهد الاجتماعي في صلب الميزانية

تتمثل أولى السمات البارزة لمشروع ميزانية 2027 في حجم الاستثمار العمومي. فقد أُعلن عن غلاف مالي إجمالي يبلغ 400 مليار درهم سنة 2027، بزيادة قدرها 20 مليار درهم مقارنة بسنة 2026. وينبغي التمييز بين هذا المبلغ وبين اعتمادات أداء نفقات الاستثمار المدرجة في الميزانية العامة وحدها، والتي تناهز 138 مليار درهم.
تسهم البنيات التحتية للنقل، ومشاريع الماء والطاقة، والتجهيزات الجماعية، والأوراش الكبرى بالمناطق والجهات في دعم الطلب أثناء إنجازها. وعلى المدى الأبعد، يمكن لهذه المشاريع أن تحسن شروط الإنتاج، وتعزز القدرة التنافسية، وتساعد على ظهور أنشطة اقتصادية جديدة. غير أن المبالغ المعلنة لا تكفي وحدها لضمان نجاعة هذا الجهد؛ فجودة المشاريع، وسرعة تنفيذها، وآثارها الاقتصادية والاجتماعية لا تقل أهمية. وإلى نهاية غشت 2026، لم تتجاوز نفقات الاستثمار المبرمجة في الميزانية العامة، والتي صدرت أوامر بصرفها، نسبة 57.6 في المائة، وفق معطيات للخزينة العامة تداولتها الصحافة. لذلك لا يقتصر التحدي على تعبئة الاعتمادات، بل يتمثل أيضاً في تحويلها فعلياً إلى مشاريع منجزة.
أما الركيزة الثانية فهي الجهد الاجتماعي. فقد قدّر الوزير الكلفة الإضافية للتدابير التي عدّدها بـ62 مليار درهم. وقد يبدو هذا المجهود غير كافٍ بالنظر إلى حجم الحاجيات، لكنه يظل دفعة مهمة للقدرة الشرائية في ظرفية اقتصادية صعبة.
وتقدم الاعتمادات القطاعية فكرة أولية عن المكانة التي يحتلها الجانب الاجتماعي. فقد بلغت ميزانية الصحة 45.4 مليار درهم، بزيادة قدرها 3 مليارات. ووصلت ميزانية التعليم والتعليم العالي والتكوين إلى 121.3 مليار درهم، أي بزيادة 5.3 مليارات مقارنة بسنة 2026. ومن المفترض أن تساهم هذه الموارد، على الخصوص، في تعزيز العرض الصحي وتحسين المؤسسات التعليمية.
وتُكمل عدداً من التدابير الملموسة هذا المجهود. فمن المقرر أن يعفي إصلاح الضريبة على الدخل الأجراء الذين يقل دخلهم الصافي عن 10 آلاف درهم شهرياً، وهو ما سيشمل، حسب الوزير، 87 في المائة من الأجراء. وتُقدّر الكلفة المالية لهذا الإصلاح سنة 2027 بـ5.5 مليارات درهم. كما يُفترض أن يرتفع الحد الأدنى للمعاش إلى 1,700 درهم شهرياً، لفائدة نحو 500 ألف متقاعد، مع هدف بلوغ 3,000 درهم في نهاية الولاية الحكومية. ومن جهة أخرى، سترتفع معاشات الأرامل المستحقة بعد وفاة الزوج من 50 في المائة إلى 100 في المائة من معاشه.
وسيتم كذلك رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً، من 500 إلى 600 درهم سنة 2027، مع هدف بلوغ 1,000 درهم في نهاية الولاية الحكومية. وأخيراً، ستتكفل الدولة بفواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهرياً، وهو إجراء قد يستفيد منه نحو ستة ملايين زبون، بكلفة سنوية تقدّر بـ2.8 مليار درهم.
تهدف هذه التدابير إلى دعم المداخيل، وحماية الفئات الهشة، والحفاظ على الاستهلاك الداخلي. غير أنه ينبغي التمييز بين التخفيضات والإعفاءات الضريبية وبين النفقات المباشرة للميزانية؛ فالأولى تمثل إيرادات تتنازل الدولة عن تحصيلها. كما يجب احتساب كلفة التدابير المعلنة بطريقة تتجنب تكرار احتساب المبالغ نفسها ضمن الاعتمادات القطاعية المرصودة مسبقاً.
ومع ذلك، لا يمكن للجهد الاجتماعي أن يحل محل سياسة مستدامة لخلق فرص الشغل. بل ينبغي تعزيزه بفرص عمل لائقة ومستقرة وبأجور مناسبة، لأنها وحدها قادرة على توفير مداخيل مستدامة للأسر وتقوية استقلاليتها الاقتصادية.

طابع كينزي: الأسس النظرية والشروط العملية

إن الجمع بين الاستثمار العمومي والدعم الاجتماعي يدعونا إلى قراءة مشروع ميزانية 2027 في ضوء الفكر الكينزي. فبالنسبة إلى جون ماينارد كينز، يتوقف النشاط الاقتصادي والتشغيل، من بين عوامل أخرى، على مستوى «الطلب الفعلي»، أي الطلب الذي يترجم إلى حاجات حقيقية للسلع والخدمات. وعندما لا يكون الطلب الخاص كافياً لدعم الإنتاج، يمكن لتدخل الدولة أن يساهم في إنعاش النشاط الاقتصادي.
فالاستثمار العمومي يحرك الطلب بصورة مباشرة، ويمكن، بفضل آثاره المحفزة، أن يشجع الشركات على الاستثمار. أما التحويلات الاجتماعية وتدابير دعم القدرة الشرائية فتساعد على تعزيز استهلاك الأسر. ومن هذه الزاوية، نجد في مشروع ميزانية 2027 رافعتين أساسيتين: الأوراش الكبرى والجهد الاجتماعي. ولذلك يمكن القول إن هذا الجمع ينسجم مع توجه كينزي.
لكن ارتفاع المبالغ المعلنة لا يكفي لوصف الميزانية كلها بأنها كينزية بالكامل. فالأثر المضاعف للنفقات العمومية يتوقف على سرعة إنجاز المشاريع، ومدى اعتمادها على الإنتاج الوطني، وقدرتها على تحسين البنيات التحتية، وكذلك على رد فعل الاستثمار الخاص. كما أن جزءاً من الطلب الإضافي قد يؤدي إلى ارتفاع الواردات. لذلك ينبغي تقييم نجاعة الميزانية انطلاقاً من النتائج المحققة، لا من الاعتمادات المرصودة وحدها.
وتظل القيود المالية مهمة أيضاً. إذ تتوقع الميزانية العامة موارد عادية في حدود 482 مليار درهم، مقابل نفقات عادية تبلغ 433 ملياراً. كما تستهلك فوائد الدين العمومي ما يقارب 46 مليار درهم. ومن ثم، فإن الحفاظ على عجز قريب من 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي يفرض التوفيق بين تمويل الأولويات الاجتماعية والإنتاجية وبين ضمان استدامة المالية العمومية.
وهنا يبرز دور القطاع الخاص. فالبرنامج الحكومي يهدف إلى رفع مساهمته إلى ثلثي الاستثمار الوطني. ولن يحقق الجهد الذي تبذله الدولة كامل نتائجه إلا إذا حفّز بدوره استثمارات خاصة منتجة.
لا ينبغي للقطاع الخاص أن يتعامل مع الدولة باعتبارها بقرة حلوباً، ينتظر منها البنيات التحتية والتحفيزات والمساعدات والضمانات اللازمة لأنشطته، من دون أن يقدم مساهمة تتناسب مع الجهود التي يبذلها المجتمع. بل يتعين عليه أن يتحمل نصيبه كاملاً من المسؤولية في هذه الدينامية، من خلال الاستثمار أكثر في الاقتصاد المنتج، والمساهمة العادلة في المداخيل العمومية، وخلق فرص عمل لائقة، والقيام بمسؤوليته الاقتصادية والاجتماعية. فلا يمكن للجهد العمومي أن يعطي ثماره على نحو مستدام من دون انخراط أقوى للاستثمار الخاص. فالوطنية الاقتصادية لا تُعلن بالشعارات، بل تثبتها الأفعال.
وخلاصة القول، إن مشروع ميزانية 2027 يتضمن عناصر اجتماعية واستثمارية تنسجم مع توجه كينزي. ويشكل الغلاف الإجمالي للاستثمار العمومي، البالغ 400 مليار درهم، إلى جانب 62 مليار درهم المعلنة للتدابير الإضافية، حجتين أساسيتين تدعمان هذه القراءة. لكن الرهان يتجاوز المبالغ المعلنة، ويتمثل في تحويل النفقات العمومية إلى نشاط منتج، وفرص عمل لائقة، وتقليص للفوارق، وتحسين ملموس لظروف العيش.
لذلك يبدو من الأدق الحديث عن ميزانية ذات طابع كينزي، بدل وصفها بأنها ميزانية كينزية بالمعنى الدقيق. وستتوقف نتائجها على تنفيذ الميزانية، ونجاعة السياسات العمومية، وقدرة القطاع الخاص على مواكبة الجهد الذي تبذله الدولة.

°اقتصادي ووزير سابق

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في آخر الأخبار الحكومة تستعد لتنزيل تعديلات القانون التنظيمي للمالية ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات