عبد الحميد البجوقي*
لم يكن التصويت الذي شهده مجلس الأمن الدولي اليوم بشأن الصحراء المغربية مجرد حلقة أخرى في مسلسل التجديد السنوي لولاية بعثة الأمم المتحدة. الفيتو الروسي ضد مشروع القرار الذي صاغته الولايات المتحدة، ثم الفيتو الأمريكي على المشروع الروسي البديل، وضعا الملف أمام وضع دبلوماسي غير مألوف، وأخرجا قضية الصحراء من رتابة التوافقات التي اعتاد عليها مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة.
الأهم من استعمال روسيا لحق النقض هو التحوُّل في موقفها. في السنة الماضية امتنعت موسكو عن التصويت على القرار 2797، بينما اختارت اليوم إسقاط المشروع الأمريكي الذي كان يتضمن في صيغته النهائية، جَعْل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً حصرياً لاستمرار المفاوضات، مع إعادة النظر في بنية ومهام المينورسو. وكان المشروع قد حظي بتأييد أغلبية واسعة داخل المجلس قبل أن يواجه الفيتو الروسي.
المشروع الروسي الذي جاء في مواجهة النص الأمريكي ذهب في الاتجاه المعاكس تقريباً، طالب بتمديد ولاية المينورسو بصيغتها الحالية لمدة سنة، والإبقاء على مرجعيات الحل الأممي التقليدية، بما فيها مبدأ تقرير المصير، من دون منح المقترح المغربي للحكم الذاتي المكانة التي كان يمنحها له النص الأمريكي. وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة المغربية الحقيقية.
هل يتعلق الأمر فقط بمناورة روسية مُرتبطة بحسابات موسكو الإقليمية والدولية، أم أننا أمام محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة داخل مجلس الأمن؟ وهل كان الفيتو موجهاً أساساً ضد المغرب، أم ضد الطريقة التي أرادت بها واشنطن الانتقال بالملف من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة الدفع نحو فرض تسوية سياسية على أساس محدد؟
لا ينبغي، في هذه اللحظة، تقديم إجابات نهائية، لكن الانتقال من الامتناع الروسي إلى الفيتو ليس تفصيلاً يمكن المرور عليه مرور الكرام. كما أن دخول موسكو بمشروع بديل في اليوم نفسه، ثم لجوء الولايات المتحدة إلى الفيتو المضاد، يكشف أن الخلاف لم يعد محصوراً في صياغة فقرة أو مُصطلح، وإنما بات يمس تصور كل قوة لمسار التسوية ومستقبل المينورسو.
من هنا أعتقد أن الوقت حان لكي تتحدث الدولة المغربية بوضوح. ليس بالضرورة عبر خطاب ملكي، فقد يكون بياناً للخارجية أو توضيحاً من رئاسة الحكومة، لكن المغاربة بحاجة إلى معرفة ماذا جرى في الكواليس؟ ماذا كانت طبيعة المفاوضات؟ ما الذي تغير بين العام الماضي واليوم؟ وما هي الضمانات التي كانت قائمة قبل التصويت، وما الذي بقي منها بعده؟
إننا لا ندعو إلى التشكيك في تدبير الدبلوماسية المغربية لهذا الملف، ولا إلى صناعة حالة من الذعر السياسي. لكن الثقة في المؤسسات لا تعني إعفاءها من المُساءلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضية وطنية بهذا الحجم. بل إن قوة الدولة في مثل هذه اللحظات تكمن أيضاً في قدرتها على شرح ما يجري، والإجابة عن الأسئلة الصعبة، بما فيها تلك التي قد تكون مُحرجة.
في المقابل، يجب الحذر من خطابين متناقضين وخطيرين، خطاب الاطمئنان المجاني الذي يرى في كل تطور انتصاراً، وخطاب التشاؤم الذي يُحوّل كل انتكاسة تكتيكية إلى هزيمة استراتيجية، وبينهما توجد مساحة ثالثة هي مساحة التحليل.
الفيتو الروسي لا يعني بالضرورة العودة إلى نقطة الصفر، لكنه بالتأكيد يستحق مراجعة بعض الفرضيات والآليات التي بُنِيَ عليها المسار الأخير. وقد يكون من الضروري أن نُعيد النظر في طريقة التعامل مع بعض القوى الدولية، وفي دور و موقع المينورسو، وفي طبيعة المفاوضات المُقبلة، وفي كيفية حماية التراكم السياسي الذي تحقق خلال السنوات الماضية.
لا نستبق الأحداث، ولا نُطمئِن أنفسنا بما لا نعرف، نُراقب، نسأل، نُحلل، وننتظر التفاصيل.
في قضايا وطن، لا يكون الحذر تشاؤماً، ولا تكون المساءلة تشكيكاً، ولا تكون الثقة صمتاً.
وهذا ما يجعل فيتو اليوم ليس خاتمة، وإنما بداية لأسئلة كثيرة سنعود إليها في مقالات قادمة.



















من المفروض في الصحفي ان يتحرى المعطيات ويتابع التحليلات، ويعطينا رايه لا ان يتساءل كأيها الناس