تخطي إلى المحتوى
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 🌧️ الرباط 19° ⚠︎ نشرة إنذارية 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
«حكيمة… وجعٌ بحجم السماء» للكاتب حبيل رشيد.. عندما يتحوّل الحبُّ إلى قيد، وتصبح الكرامةُ حقّاً في الحياة لا امتيازا

«حكيمة… وجعٌ بحجم السماء» للكاتب حبيل رشيد.. عندما يتحوّل الحبُّ إلى قيد، وتصبح الكرامةُ حقّاً في الحياة لا امتيازا

Aa حجم النص

حبيل رشيد

ثمة روايات نطوي صفحاتها فننسى حكاياتها، وأخرى نغلق كتبها فيما تظل أسئلتها مفتوحة في داخلنا، كأن الكلمات غادرت الورق لتقيم في مكان خفي من الروح. ومن هذا الصنف تأتي رواية «حكيمة… وجعٌ بحجم السماء» للكاتب حبيل رشيد؛ عملٌ يختار فتاة قروية في الخامسة عشرة من عمرها، تعيش بإعاقة حركية، ليجعل من تجربتها الفردية مدخلاً إلى مساءلة الإنسان في علاقته بنفسه وبأسرته ومجتمعه، وإلى تفكيك ذلك الخيط الدقيق الذي يفصل المحبة عن الوصاية، والرحمة عن الشفقة، والحماية عن مصادرة الحق في الاختيار.

قد يبدو العنوان، للوهلة الأولى، وعداً بحكاية عن الألم، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن السماء هنا أوسع من الوجع، وأن حكيمة أعمق من الصورة التي قد يرسمها الآخرون عنها. إنها فتاة تريد أن تعيش، وأن تغضب، وأن تحلم، وأن تخطئ، وأن تختبر العالم بقدميها الغائبتين عن الحركة وبروح ترفض أن تتحول إلى غرفة مغلقة. وهنا تكمن قوة الفكرة المركزية في الرواية: قد يعجز الجسد عن الحركة، فيما تعجز نظرة المجتمع عن التحرر من قيودها؛ وقد يمتلك الإنسان القدرة على المشي، لكنه يظل عاجزاً عن مغادرة أحكامه الموروثة.

تضعنا الرواية أمام سؤال فلسفي يتجاوز حدود الإعاقة: من يملك حق تعريف الإنسان؟ أهو جسده، أم أسرته، أم محيطه الاجتماعي، أم ذلك الصوت الداخلي الذي يعرف رغباته حتى عندما يعجز عن التعبير عنها؟ تتعرض حكيمة لخطر الاختزال؛ إذ يمكن أن تصبح، في أعين الآخرين، مجرد فتاة تحتاج إلى الرعاية، أو حكاية حزينة تستدر الدموع، أو مسؤولية ثقيلة ينبغي تدبيرها. لكن الإنسان أوسع من حاجاته، وأغنى من محنته، وأعقد من الوصف الذي يلصقه به المحيطون.

تكمن المعضلة في أن المجتمع قد يرحم الإنسان، ثم يحرمه من حقه في تقرير مصيره باسم الرحمة نفسها. وقد يحيطه بالعناية، ثم ينسى أن العناية الحقيقية ينبغي أن تفتح أمامه أبواب العالم، لا أن تكتفي بتوفير الراحة داخل غرفة مغلقة. لهذا تكتسب عبارة حكيمة، «الطيبة تقيّدني أكثر من الحبال»، دلالتها العميقة؛ فهي تنقل الصراع من المجال المادي إلى المجال النفسي والأخلاقي. فالحبل الذي يشد الجسد ظاهر يمكن رؤيته وفكّه، أما القيد المصنوع من الخوف والمحبة المفرطة والشعور بالذنب، فيحتاج إلى شجاعة طويلة حتى يتبين صاحبه أنه مقيد أصلاً.

هنا تبلغ الرواية إحدى أكثر مناطقها حساسية: الأب الذي يحب ابنته، ويخشى عليها من العالم، فيحاول أن يحميها منه. لا تنبع مأساته من القسوة، وإنما من خوف اكتسب هيئة الحب. إنه أب يرى الأخطار قبل الفرص، ويتخيل السقوط قبل الخطوة الأولى، فيصنع من حرصه جداراً يحجب عنه ما تستطيع ابنته أن تفعله. وعندما يعترف لها: «أحببتُكِ بالجدران»، ثم تطلب منه: «افتح لي بابين»، يتحول الحوار إلى مواجهة بين تصورين للحب؛ حبّ يريد أن يحفظ المحبوب من كل احتمال مؤلم، وحبّ آخر يقبل أن الحياة تنطوي على المخاطرة، وأن الكرامة تتطلب مساحة للاختيار والتجربة.

والأشد إيلاماً أن الأب قد يدرك خطأه متأخراً، بعد أن يكتشف أن الجدران التي بناها لحماية ابنته حالت أيضاً دون نموها. فالأبوة، في معناها الأعمق، لا تقاس بمدى قدرة الوالد على منع الأذى، وإنما بقدرته على إعداد ابنه أو ابنته لمواجهة الحياة. والحب الناضج لا يجعل الإنسان امتداداً لخوف من يحبّه؛ إنه يساعده على امتلاك قراره، حتى عندما يختلف ذلك القرار مع رغبات الأسرة وتوقعاتها.

ومن هذه الزاوية، تقترب الرواية من سؤال نفسي جوهري: هل نستطيع أن نحب شخصاً من دون أن نجعله مسؤولاً عن طمأنتنا؟ أحياناً يتحول خوف الأسرة من فقدان أبنائها أو تعرضهم للأذى إلى سلطة ناعمة، لا تستخدم الأوامر الصريحة، وإنما تستعين بالقلق والذنب والتذكير بالتضحيات. يصبح استقلال الابن جرحاً في قلب الأم، ومغامرة غير محسوبة في نظر الأب، مع أن الاستقلال لا يعني إنكار فضل الأسرة أو التنكر للمحبة؛ إنه انتقال من التبعية إلى علاقة أكثر نضجاً، يتجاور فيها الوفاء مع الحرية.

وتتسع الدلالة النفسية في شخصية الأم، التي تمنح الرواية بُعداً إنسانياً مختلفاً. فقولها: «الورق يصبر على ما لا يصبر عليه البشر»، يفتح نافذة على عالم من المشاعر التي لم تجد دائماً من يصغي إليها. الورق هنا مساحة اعتراف، وملاذ لمن يعجز عن ترتيب ألمه في حديث عابر. فالإنسان قد يعيش أعواماً طويلة من دون أن يجد أذناً تتسع لما يخفيه، وقد يحتاج إلى صفحة بيضاء كي يكتشف أن ما ظنه عجزاً عن الكلام كان في الحقيقة غياباً لمن يمنحه الأمان.

أما نعيمة، فتمنح العمل أحد أكثر وجوهه كثافة. إنها شخصية تحمل ندوبها الخاصة، وتقاوم أن تتحول إلى وظيفة في حياة الآخرين. وعندما تقول: «لستُ حقيبة تُنقل من مكان إلى مكان»، فإن العبارة تتجاوز سياقها المباشر لتلامس كل إنسان جرى التعامل معه باعتباره عبئاً ينبغي نقله، أو مشكلة ينبغي حلها، أو كائناً تُتخذ القرارات نيابة عنه. تجمع حكيمة ونعيمة تجربة مختلفة في ظاهرها، لكنها تلتقي في جوهر واحد: الرغبة في استعادة الحق في أن تكون لكل منهما حياة تخصها، لا مجرد دور تؤديه داخل حياة الآخرين.

ومن هنا تتجلى القيمة الروحية للرواية. فالروح لا تتسع بالشفقة وحدها، وإنما بالاعتراف. والرحمة التي تحفظ كرامة الإنسان تختلف عن عاطفة تنظر إليه من علٍ، كأنها تمنحه شيئاً من ملكها. إن أرقى أشكال العطاء أن يشعر الإنسان بأنه شريك كامل في الحياة، وأن المساعدة لا تنتقص من مكانته، وأن حاجته إلى الآخرين لا تسلبه حقه في الاختيار. نحن جميعاً نحتاج إلى من يسندنا في مراحل مختلفة، لكن حاجتنا إلى السند لا تجعلنا ملكاً لمن يمد يده إلينا.

والروحانية التي يمكن استشفافها من هذا العمل لا تقوم على تمجيد الألم أو اعتباره طريقاً ضرورياً إلى الحكمة. فالمعاناة، في ذاتها، لا تصنع إنساناً أفضل، وقد تترك في النفس غضباً وخيبة ومرارة. ما يمنح التجربة معناها هو ما يفعله الإنسان بالألم، وما يقدمه له الآخرون من فهم وإنصاف، وما يتاح له من فرص كي يعيد بناء علاقته بالحياة. لهذا ينبغي أن نقرأ حكيمة باعتبارها إنسانة تمتلك الحق في الفرح والضجر والرفض والتردد، لا باعتبارها ملاكاً صامتاً أُرسل كي يعلّم الآخرين الصبر.

وفي هذا السياق، تكتسب النافذة والعجلة والحقيبة والقنطرة معاني تتجاوز وظيفتها داخل الحكاية. فالنافذة ترمز إلى الرغبة في رؤية عالم يتجاوز حدود البيت، والعجلة تستحضر الفرق بين امتلاك وسيلة للحركة وامتلاك الحق في الوصول، أما الحقيبة فتحمل دلالة الهوية والذاكرة وما يتركه الإنسان من أثر خاص به. وتبلغ القنطرة ذروتها الرمزية عندما تتجاوز معنى العبور المادي، لتصبح صورة لعلاقة تحتاج إلى إعادة بناء: جسر بين الأب وابنته، وبين الخوف والثقة، وبين الرغبة في الحماية وضرورة الاعتراف بالاستقلال.

غير أن أجمل الرموز تفقد شيئاً من قوتها إذا شرحت الرواية معناها أكثر مما تترك للقارئ أن يكتشفه. فالأدب الذي يثق بصوره يمنحها وقتاً كي تتكلم، ويترك للمتلقي فرصة المشاركة في إنتاج الدلالة. وحين تتوالى الحكم الختامية بكثافة، قد تتراجع مساحة الصمت المنتج، ذلك الصمت الذي يجعل القارئ يتوقف أمام مشهد، ثم يعود إليه في ذاكرته بعد أيام. فبعض المعاني تزداد نفاذاً كلما قُدّمت في صورة وموقف، وتضعف عندما تتحول إلى خلاصة جاهزة.

اجتماعياً، تخرج «حكيمة… وجعٌ بحجم السماء» من حدود الأسرة إلى مسؤولية المحيط والمؤسسات. فالفتاة التي تعيش في البادية تواجه، إلى جانب ظروفها الجسدية، أسئلة التعليم والنقل والولوج إلى المرافق والخدمات، وما قد يفرضه البعد الجغرافي وضعف الإمكانات من عزلة. ولا يكفي أن يعلن المجتمع تعاطفه مع الأشخاص في وضعية إعاقة، ثم يتركهم أمام أبواب مغلقة وطرقات غير مهيأة وفرص تعليم محدودة. فالحقوق لا تتحقق بالنوايا الحسنة وحدها؛ تحتاج إلى بنية مادية ومؤسساتية تجعل المشاركة ممكنة، وتحوّل المساواة من عبارة جميلة إلى تجربة يومية.

وهنا ينبغي التمييز بين الإدماج بوصفه شعاراً، والإدماج بوصفه ممارسة. أن نسمح لحكيمة بالذهاب إلى المدرسة خطوة، وأن تصبح المدرسة نفسها مهيأة لاستقبالها خطوة أخرى. أن نوفر لها وسيلة نقل أمر مهم، وأن نضمن استمرارها في التعلم والتفاعل وبناء الصداقات أمر لا يقل أهمية. فالمجتمع العادل لا يطالب الإنسان بأن يثبت قدرته على تجاوز كل العوائق وحده، وإنما يسأل أيضاً عن العوائق التي كان قادراً على إزالتها ولم يفعل.

ومع ذلك، تثير الرواية ملاحظة فنية تستحق التوقف. ففي مسارها الأخير، تتكاثر بعض الحلول وتتقارب الانفراجات، حتى يبدو العالم أكثر استعداداً للاستجابة لحكيمة مما توحي به قسوة الواقع الذي رسمته الفصول السابقة. كما تبدو شخصية نادية، في بعض المواضع، أقرب إلى المنقذة التي تتولى حل مشكلات متفرقة، من كونها شخصية مستقلة تحمل تناقضاتها وحدودها الخاصة. وكان من الممكن أن يمنح العمل شخصياته قدراً أكبر من الاختلاف في اللغة والمواقف، وأن يترك بعض الأسئلة مفتوحة، بما يعزز واقعية التحول ويمنح القارئ دوراً أعمق في التأمل.

كذلك تحتاج التجربة الجسدية اليومية لحكيمة إلى مساحة أوسع في بعض المواضع؛ فالإعاقة لا تظهر في اللحظات الكبرى وحدها، وإنما في التفاصيل الصغيرة المتكررة: الوصول إلى مكان، وطلب المساعدة، وانتظار الآخرين، والتعامل مع نظراتهم، والتوفيق بين الحاجة إلى السند والرغبة في الخصوصية. ومن شأن منح هذه التفاصيل حضوراً أكبر أن يجعل الشخصية أكثر تجسداً وأبعد عن التحول إلى رمز يحمل أفكار الرواية وحدها.

هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة السؤال الذي تطرحه الرواية، وإنما تؤكد أن موضوعها يستحق بناءً فنياً بقدر تعقيده الإنساني. فكلما ابتعد السرد عن الحلول السهلة، اقترب من الحياة، وكلما سمح للشخصيات بأن تتردد وتخطئ وتتغير ببطء، أصبحت تحولاتُها أكثر إقناعاً وأشد رسوخاً في وجدان القارئ.

في النهاية، لا تطلب منا حكاية حكيمة أن نبكي فتاة تعيش بإعاقة حركية، وإنما أن نراجع الطريقة التي نرى بها الإنسان المختلف عنا. إنها تضع أمامنا مرآة محرجة: كم مرة سمّينا الخوف حباً؟ وكم مرة اعتبرنا الطاعة دليلاً على الامتنان؟ وكم مرة ساعدنا شخصاً ثم انتظرنا منه أن يعيش وفق الصورة التي رسمناها له؟ قد نكتشف، ونحن نقرأ، أن بعض الجدران التي تحيط بالآخرين تسكننا نحن أيضاً، وأن تحريرهم يبدأ أحياناً بتحرير نظرتنا إليهم.

لعل الرسالة الأعمق في «حكيمة… وجعٌ بحجم السماء» أن الكرامة لا تحتاج إلى جسد كامل كي تستحق الاعتراف، وأن الحرية لا تعني غياب الألم، وإنما امتلاك الحق في اختيار الطريق رغم احتمالاته. فحكيمة لا تحتاج إلى عالم يضمن لها ألا تسقط أبداً؛ تحتاج إلى عالم لا يحرمها من المحاولة خوفاً من سقوطها. ولا تحتاج إلى من يتحدث باسمها في كل مرة، وإنما إلى من يصغي إليها حتى النهاية.

إنها، في جوهرها، حكاية عن المسافة بين أن نحب الإنسان وأن نسمح له بأن يكون نفسه. مسافة قد تبدو قصيرة في الكلام، لكنها تحتاج إلى شجاعة كبيرة في الحياة. وعندما نغلق صفحات الرواية، يبقى السؤال معلقاً في داخلنا: هل نمنح من نحبهم أجنحة تكفيهم للطيران، أم نصنع لهم أقفاصاً جميلة ونقنع أنفسنا بأننا فعلنا كل ما يلزم لحمايتهم؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في آخر الأخبار الخارجية القطرية: جهود جسر الهوة بين واشنطن وطهران متواصلة ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات