تخطي إلى المحتوى
الجمعة 6 نوفمبر 2026 🌤️ الرباط 21° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
ترامب: حدود الشعبوية

ترامب: حدود الشعبوية

Aa حجم النص

د. خالد فتحي

لم تكن هزيمة دونالد ترامب في انتخابات التجديد النصفي مجرد خسارة لمقاعد في الكونغرس، بل كانت رسالة سياسية ثقيلة الدلالات، أعادت رسم موازين القوة في واشنطن، ووضعت حدا لمرحلة من الحكم الجمهوري بدا فيها البيت الأبيض وكأنه يتحرك بهامش واسع، دون رقيب ولا مقاومة مؤسساتية تذكر. فاستعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ تعني أن العامين الأخيرين من ولاية ترامب لن يكونا امتدادا مريحا لما سبقهما، بل مرحلة جديدة من التوازن القسري والمواجهة السياسية بين الحزبين الغريمين.

لكن ما الذي دفع الناخب الأميركي إلى معاقبة الحزب الحاكم؟

أول الأسباب أن الاقتصاد لم يعد يستجيب للوعود الانتخابية بالقدر الذي انتظره المواطن. فالتضخم وغلاء المعيشة وتكاليف الطاقة والسكن ظلت حاضرة في الحياة اليومية، وأصبح الفارق واضحا بين خطاب الانتصارات الذي تقدمه السلطة وبين حسابات الأسر التي تواجه أعباء متزايدة. فالناخب قد يتسامح مع كثير من الاختيارات السياسية، لكنه لا يغفر أبدا تدهور قدرته الشرائية.

وثانيها أن ترامب بالغ في شخصنة السلطة وربط مصير الحزب الجمهوري بشعبيته. لقد نجح في تدجين وإخضاع جزء كبير من حزبه لمنطقه السياسي، فجعل الجمهوريين يتحملون أيضا كلفة قراراته وأسلوبه الخاص في الحكم. وحين يقع أن تتحول الانتخابات إلى استفتاء على شخص الرئيس، تصبح أخطاء هذا الرئيس عبئا جماعيا على مرشحي حزبه.

وثمة عامل ثالث يتعلق بتآكل الثقة في السلطة، وبصعود أسئلة المال السياسي وتضارب المصالح ونفوذ جماعات الضغط. فالديمقراطية الأميركية تواجه منذ سنوات سؤالا محرجا: من يحكم فعلا، الناخبون أم شبكات الثروة والنفوذ؟ وقد أظهرت انتخابات البارحة أن قطاعات واسعة تريد مساءلة السلطة وإعادة الاعتبار للمؤسسات، لا الاكتفاء بتغيير الوجوه.

كما لم تكن السياسة الخارجية بمنأى عن العقاب الانتخابي. فالحرب مع إيران، وما رافقها من مخاوف الاستنزاف وارتفاع تكاليف الطاقة وتهديد وجودي للعالم، ساهمت في تعميق القلق الشعبي، وإن لم تكن وحدها وراء التحول الانتخابي.

للفوز الديمقراطي أيضا دلالات تتجاوز استعادة الأغلبية إلى إعادة الاعتبار للتوازن المؤسساتي. فالكونغرس يستطيع الآن ممارسة رقابة أشد، وفتح ملفات التحقيق، ومراجعة السياسات والإنفاق والقرارات التنفيذية. ومع ذلك لا يعني هذا أن الديمقراطيين امتلكوا تفويضا مطلقا أو أن أزمتهم الفكرية والتنظيمية انتهت؛ فالفوز على ترامب شيء، وتقديم بديل مقنع للمجتمع الأميركي شيء آخر.

على المستوى الدولي، قد تجد واشنطن نفسها أقل قدرة على اتخاذ قرارات أحادية، وأكثر انشغالا بصراعاتها الداخلية. وهذا قد يفرض مراجعة بعض السياسات الخارجية، لكنه لا يعني انقلابا تلقائيا على ثوابت الاستراتيجية الأميركية.

إن الدرس الأعمق من هذه الانتخابات أن الشعبوية، مهما امتلكت من قدرة على التعبئة ومن سحر الخطاب وقوته، ليست تفويضا أبديا، فلا أحد يملك مفاتيح صناديق الانتخابات إلى الأبد. لا تستطيع الشعبوية إلغاء الاقتصاد ولا تجاوز المؤسسات إلى ما لا نهاية ولا إنكار تطلعات المجتمع. وكذلك فالديمقراطية لا تختبر فقط حين يفوز حزب ويتحول إلى حزب حاكم، بل حين يخسر أيضا وهو على سنام السلطة، فيجد نفسه مضطرا إلى تقاسم السلطة مع خصومه.

لقد خسر ترامب الكونغرس، لكن السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة هو: هل تستعيد أميركا توازنها السياسي، أم تدخل دورة جديدة من الاستقطاب والشلل؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في آخر الأخبار حقوقيون ويساريون يحشدون لوقفة وطنية بتيفلت لمحاسبة “الجلادين” ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات