2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
بين مخاوف توسيع نفوذ وزارة الداخلية ورهانات تعزيز مصداقية مقترح الحكم الذاتي، أعادت المصادقة على مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالجهات بمجلس النواب فتح النقاش حول مستقبل الجهوية المتقدمة بالمغرب، وحدود التوازن بين استقلالية المنتخبين وضمان وحدة الدولة.
وترى وزارة الداخلية، وفق كلمة للوزير عبد الوافي لفتيت، أمس الإثنين بمجلس النواب، أن النص يؤسس لمرحلة جديدة من النجاعة الترابية، في المقابل تخشى المعارضة من أن تؤدي بعض المقتضيات التي جاء بها المشروع، الذي سيتم عرضه على مجلس المستشارين في الأيام القليلة القادمة لاستكمال مسطرة التشريع، إلى المساس بمبدأ “التدبير الحر” وتقوية سلطة الإدارة المركزية.
وكان مجلس النواب قد صادق بالأغلبية على مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، بعدما حظي بتأييد 110 نواب، مقابل امتناع 46 نائبا عن التصويت.
وفي هذا السياق، اعتبر رضوان اعميمي، الباحث المتخصص في القانون الإداري، أن المشروع “ينبغي قراءته في سياق أوسع، يتجاوز مجرد تعديل تقني للقانون التنظيمي رقم 111.14، إلى محطة جديدة في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة بالمغرب”.
وأوضح اعميمي، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن التجربة العملية للجهات خلال السنوات الماضية أظهرت أن الجهة أصبحت “فاعلا أساسيا في التنمية الترابية”، لكنها كشفت أيضا عن “إكراهات مرتبطة ببطء التنفيذ، وتداخل الاختصاصات، وضعف الالتقائية بين السياسات العمومية، ومحدودية قدرة بعض الجهات على تحويل البرامج إلى مشاريع ملموسة”.
وكان وزير الداخلية قد أكد، خلال تقديم المشروع، أن النص يؤسس لـ”مرحلة جديدة من مسار الجهوية المتقدمة”، تقوم على “تقوية الاختصاصات الاستراتيجية للجهات، وتحديث أدوات الحكامة والتدبير، وتحسين آليات التخطيط والتنفيذ، وتعزيز الموارد المالية”.
وأضاف لفتيت أن الأمر يتعلق بـ”لحظة مسؤولية جماعية” تستوجب الانتقال إلى مرحلة جديدة “عنوانها النجاعة والوضوح والقدرة على الإنجاز”، عبر بناء “نموذج ترابي أكثر فعالية، يجعل من الجهة فضاء حقيقيا لإنتاج التنمية وخلق الثروة وفرص الشغل وتعزيز الاستثمار”.
وفي علاقة المشروع بمقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء المغربية، يرى رضوان اعميمي، رئيس المركز المغربي “ريادة” للدراسات والأبحاث في العلوم القانونية والقضائية، أن أهمية المشروع لا تنفصل عن علاقته بمقترح الحكم الذاتي، موضحا أن الأمر “لا يتعلق بتطابق مباشر بين النصين، وإنما بتراكم مؤسساتي وسياسي مهم”.
وتابع اعميمي أن “الجهوية المتقدمة تشكل، منذ دستور 2011، الإطار الوطني لتدبير التنوع الترابي وتعزيز القرب واللامركزية والديمقراطية المحلية”، معتبرا أن نجاح المغرب في بناء “نموذج جهوي قوي، بسلطات واضحة وموارد كافية ومؤسسات منتخبة قادرة على التدبير، يعزز مصداقية التصور المغربي للحكم الذاتي باعتباره حلا واقعيا وديمقراطيا ومندمجا داخل السيادة الوطنية”.
وخلال المناقشات التي همت المشروع، سواء في اللجنة البرلمانية المختصة أو في الجلسة العامة، والمتعلقة بنقل صلاحيات المنتخبين إلى المعينين، أثارت مكونات المعارضة تساؤلات بشأن استثناء رئيس الجهة من تعيين المدير العام للشركة المساهمة وتعيينه من طرف وزير الداخلية، معتبرة أن ذلك قد يشكل “مساسا بمبدأ التدبير الحر”.
وفي تعليقه على هذه المخاوف، شدد رضوان اعميمي، المهتم بملف الجهوية، على أن التخوفات “مفهومة من الناحية السياسية”، لأنها تعكس “حساسية قديمة في النقاش المغربي حول العلاقة بين اللامركزية والوصاية الإدارية”.
ويرى اعميمي، في المقابل، أنه “لا ينبغي أن تتحول إلى قراءة تبسيطية تعتبر كل حضور للدولة أو لوزارة الداخلية تراجعا عن الديمقراطية المحلية”، مبرزا أن التدبير الترابي يحتاج إلى “توازن دقيق بين استقلالية المنتخبين من جهة، وضمان وحدة الدولة واحترام القانون وحسن استعمال المال العام والتقائية المشاريع من جهة ثانية”.
وأضاف المتحدث ذاته أن المطلوب “ليس إضعاف الإدارة الترابية ولا إطلاق يد المنتخبين بدون ضوابط”، بل “بناء علاقة جديدة قائمة على المواكبة والتنسيق، وعلى الرقابة القانونية اللاحقة لا الوصاية السياسية المسبقة”.
ويرى اعميمي أن نجاح المشروع يمر عبر “توضيح دقيق للاختصاصات بين الدولة والجهات”، إلى جانب “تقوية الموارد المالية والبشرية للجهات”، فضلا عن “تعزيز الرقابة الديمقراطية والقضائية والمالية”.
وشدد اعميمي على أن مشروع القانون “يمكن أن يشكل خطوة مهمة في تعميق الجهوية المتقدمة”، غير أن أثره الحقيقي “يبقى رهينا بإرادة سياسية وإدارية واضحة لنقل الجهة من موقع المؤسسة الوسيطة إلى موقع الفاعل التنموي الحقيقي”، مؤكدا أن الرهان الأكبر اليوم هو “الانتقال من جهوية النصوص إلى جهوية النتائج، أي جهوية يشعر المواطن بأثرها في الاستثمار والتشغيل والخدمات والعدالة المجالية والاجتماعية”.