2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
يشهد الموسم الدراسي الحالي بالمملكة المغربية النشر الوطني الشامل لجيل جديد من منظومة مكافحة الغش والتجسس الإلكتروني يحمل اسم “T3 Shield”. ويمثل هذا النظام، المصمم والمصنع بالكامل في المغرب، محاولة في اعتماد الحلول الرقمية الذكية لتأمين اختبارات البكالوريا عبر رصد ومسح الذبذبات والموجات اللاسلكية (موجات الراديو).
منشأ الابتكار وتفاصيل التصنيع المحلي
تأسس مشروع جهاز “T3 Shield” بناءً على مسار بحثي وعلمي متطور امتد لسنوات داخل مختبرات جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)، حيث توج بابتكار تكنولوجي محمي ببراءة اختراع رسمية. ومن أجل نقل هذا البحث من الشق الأكاديمي إلى النضج الصناعي والتجاري، جرى تأسيس شركة “SensThings” كناشئة منبثقة (Spinoff) عن المنظومة البيئية للجامعة.
وفي تصريحات أدلى بها حفيظ كريكر، الأستاذ الباحث والمؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “SensThings”، بمناسبة افتتاح خط الإنتاج الجديد للمنظومة بمدينة الصخيرات، أكد أن “الهدف كان هو إخراج هذا الابتكار والبحث العلمي إلى حيز الوجود عبر قنوات التصنيع والابتكار الصناعي، لإنتاج منتج مغربي بنسبة 100%؛ اخترع في المغرب، وصمم في المغرب، ويصنع حالياً في المغرب لأجل المغرب”.
وأوضح كريكر أن الوحدة الصناعية بالصخيرات تعمل حالياً على إنتاج ما يقارب 2000 وحدة من هذا الجهاز بتنسيق مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. وتعتمد المنظومة الصناعية للشركة على توليفة من الكفاءات المحلية تشمل المهندسين الباحثين وحملة الدكتوراه للتطوير القبلي، والشباب الخاضعين للتكوين لضمان جودة التصنيع، بالإضافة إلى مديري المشاريع لتدبير الإنتاج والنزول الميداني.
التشريح التقني وكيفية الاشتغال
على عكس المقاربات التكنولوجية الشائعة عالمياً في مراكز الامتحانات، يقول المشرفون على جهاز “T3 Shield” إنه يقدم بديلاً أخلاقياً وبيئياً يقطع مع الأنظمة الاقتحامية. وحسب الشروحات التقنية التي قدمها كريكر في تصريح صحفي سابق، فإن التقنيات الدولية المتوفرة في الأسواق ترتكز على آليتين هجوميتين: إما تقنية الحجب والتشويش (Jamming) التي تبث إشارات قوية لقطع الشبكات وتتسبب في أضرار جانبية للاتصالات الحيوية المحيطة، أو تقنية الخداع الإلكتروني (Spoofing) التي تنتحل صفة أبراج اتصالات وهمية، وهو أسلوب وصفه كريكر بـ“غير الأخلاقي”.
في المقابل، يشتغل الجهاز المغربي، الذي يصدر في شكل بوكس ذكي ووحدة متنقلة يقل وزنها عن 3 كيلوغرامات ومزودة ببطارية تدوم لـ 6 ساعات، وفق “المقاربة السلبية الصامتة” (Passive Approach). فالجهاز يعمل دون إرسال أو بث أي إشارات لاسلكية من طرفه، بل يتخذ وضعية “مستقبل صامت” يقوم بالتقاط واسترداد الإشارات (Signal Recovery) والتعرف على قنوات الاتصال النشطة في المحيط بشكل مستقل تماماً ودون الحاجة للاتصال بالحوسبة السحابية (Cloud)، وذلك بفضل دمجه لتكنولوجيا “الذكاء الاصطناعي الطرفي” (Edge AI).
ويتيح الجهاز لأطقم المراقبة أربعة أنماط تشغيلية مرنة:
فحص القاعات ومسح الفضاء.
فحص الحقائب وأمتعة المترشحين.
فحص الأشخاص.
التحديد الدقيق والموقع الجغرافي لمصدر الإشارة المشبوهة داخل المركز (تحديد المقعد أو الزاوية التي تصدر منها الذبذبات).
الفعالية الميدانية وصون الخصوصية
حظيت المستشعرات الدقيقة (Sensors) المدمجة في النظام، بحسب المشرفين عليه، باعتمادات دولية رفيعة المستوى، وفي مقدمتها شهادة معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات العالمي (IEEE)، مما يمنح المنظومة جودة وموثوقية عالية.
ميدانياً، يقول اصحاب المشروع، مر الجهاز بفترة تجريبية ناجحة خلال امتحانات البكالوريا ومباريات المدارس العليا (Concours) خلال الموسم الدراسي المنصرم (2025)، مما دفع الوزارة الوصية لتوسيع النشر الوطني مطلع شهر يونيو ليشمل أكثر من 2007 مراكز امتحان عبر ربوع المملكة.
ومع هذه الصرامة في تتبع “السماعات الدقيقة” والهواتف، يضمن الجهاز حماية مطلقة للمعطيات الشخصية وحرمة الخصوصية (Privacy)؛ حيث أكد حفيظ كريكر بصريح العبارة: “نحن لا نعرف ما هو المحتوى الذي يتم تبادله، ولا من أرسله، ولا إلى من يُرسل، لكن المهم بالنسبة لنا هو رصد وجود الاتصال وتحديد مكان مصدر الإشارة”، وهو ما يضمن مبدأ تكافؤ الفرص دون التلصص على بيانات التلاميذ.
تساؤلات معلقة حول الكلفة والصفقة
بينما يتجه المغرب نحو تعميم هذا الابتكار التكنولوجي السيادي لحماية مصداقية شهادة البكالوريا الوطنية، تظل هناك جوانب تدبيرية ومالية بعيدة عن الأضواء تثير اهتمام الرأي العام والفاعلين في قطاع الحكامة؛ وإذا كان النجاح التقني للجهاز وتصنيعه محلياً أمراً مؤكداً بلسان أصحابه، فإن التساؤلات تظل مطروحة حول الكلفة المالية الإجمالية لعملية إنتاج وتوريد أكثر من 2000 جهاز متطور مدمج بالذكاء الاصطناعي، وعن حجم الغلاف المالي الذي رصدته وزارة التربية الوطنية لتغطية هذا النشر الوطني الواسع.
ومن جهة أخرى، يطرح المراقبون علامات استفهام حول الطريقة والمسطرة القانونية التي تم بها تفويت هذه الصفقة للشركة المبتكرة؛ فهل خضع المسار لطلبات عروض مفتوحة تضمن التنافسية، أم جرى التدبير عبر صيغ تفويت استثنائية (صيغة التفويت المباشر بناءً على براءة الاختراع والملكية الفكرية الحصرية للشركة الناشئة)؟ وهي تساؤلات مشروعة تتوخى تكريس الشفافية الموازية للنجاعة الرقمية التي يفرضها هذا التحول.