2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
لم يعد تراجع الخصوبة في المغرب مجرد مؤشر ديموغرافي عابر، بل تحول إلى معطى بنيوي يعيد تشكيل مستقبل الاقتصاد والمجتمع، وفق ما كشفت دراسة علمية حديثة حول خصوبة بلدان المغرب العربي، مؤكدة أن المغرب دخل فعليا مرحلة جديدة من الانتقال الديموغرافي تتسم بانخفاض مستمر في معدلات الإنجاب وتغير عميق في بنية الأسرة.
وتشير الدراسة إلى أن “معدل الخصوبة واصل تراجعه بشكل تدريجي ومتواصل دون تسجيل أي انتعاش مماثل، ليصل إلى مستوى تاريخي منخفض بلغ 1.97 طفل لكل امرأة سنة 2024″، أي ما دون عتبة تعويض الأجيال المحددة في 2.1 طفل لكل امرأة.
في هذا السياق، يعتبر الخبير الاقتصادي أمين سامي أن هذه الأرقام تعكس تحولا أعمق من مجرد تراجع في عدد الولادات، إذ يقول إن “التقرير يقلب النقاش من تراجع خصوبة إلى دخول المغرب في اقتصاد ما بعد الوفرة الديمغرافية”.
وأضاف سامي، ضمن تصريح لجريدة “آشكاين” الإخبارية، أن المغرب إلى جانب الجزائر وتونس، عرف “أحد أسرع انتقالات الخصوبة في العالم، من حوالي 7 إلى 8 أطفال لكل امرأة في السبعينيات إلى مستويات منخفضة جدا اليوم”، مبرزا أن المغرب يتميز عن جيرانه “بأنه لم يعرف ارتدادا ديمغرافيا، بل سجل انخفاضا مستمرا إلى أن بلغ 1.97 طفل لكل امرأة سنة 2024”.
وبحسب الخبير ذاته، فإن المغرب “دخل مرحلة خصوبة منخفضة مستقرة، وليس مجرد تراجع عابر”، وهو ما يعيد رسم ملامح البنية السكانية على المدى الطويل.
ولا يفسَّر هذا التراجع، وفق الدراسة، فقط بتغير سن الزواج. إذ تؤكد المعطيات أن “متوسط سن الزواج الأول لدى النساء تراجع من 26.3 سنة إلى 24.6 سنة بين 2004 و2024″، ما يعني أن العامل الزواجي لم يعد كافيا لتفسير الانخفاض الحاصل في معدلات الإنجاب.
ويرى أمين سامي أن جوهر التحول يرتبط بعوامل أعمق، أبرزها “التحكم القوي في الإنجاب عبر وسائل منع الحمل، وارتفاع كلفة الطفل، وتغير نموذج الأسرة، وصعود نموذج أطفال أقل واستثمار أكبر، إضافة إلى هشاشة إدماج النساء في سوق الشغل وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة”.
ويختصر هذا التحول، وفق تعبيره، في تغير سؤال الأسرة المغربية من “كم طفلا نريد؟” إلى “كم طفلا نستطيع تمويله وتعليمه ورعايته؟”.
على المستوى الاقتصادي، اعتبر سامي أن المغرب يقترب من نهاية نموذج نمو قائم على وفرة اليد العاملة، قائلا إننا أمام انتقال “من اقتصاد قائم على وفرة الشباب إلى اقتصاد يحتاج إلى الإنتاجية العالية”.
وينعكس هذا التحول، وفق ما ذكر الخبير الاقتصادي، على عدة مستويات، من بينها سوق الشغل مع تراجع تدفق الشباب مستقبلا، ونظام التقاعد بفعل ارتفاع عدد المسنين، وقطاع الصحة مع ارتفاع كلفة الأمراض المزمنة، إضافة إلى التعليم الذي سيتحول من ضغط كمي إلى رهان على الجودة، والسكن الذي سيتجه نحو الطلب على وحدات أصغر وأكثر حضرية، فضلا عن تحولات في أنماط الاستهلاك والصناعة والفلاحة.
وأضاف أمين سامي أن الاقتصاد المغربي سيكون مطالبا بالانتقال “من معادلة النمو = يد عاملة كثيرة، إلى معادلة النمو = إنتاجية + تكنولوجيا + مهارات + نساء في سوق الشغل + هجرة منظمة”.
وانطلاقا من ذلك، يرى سامي أن التحدي لم يعد مرتبطا بسياسات رفع الولادات، بل بسياسات أوسع لإدارة التحول الديموغرافي، عبر “إنشاء مرصد وطني للخصوبة والشيخوخة والهجرة الداخلية، وإطلاق صندوق للأسرة والانتقال الديمغرافي، ودعم الحضانات، وإصلاح أنظمة التقاعد، وبناء اقتصاد الرعاية، وتحفيز الشركات الصديقة للأسرة، وتحسين إدماج النساء في سوق الشغل، وربط السياسة السكانية بالتعليم والصحة والسكن والهجرة”.
وخلص أمين سامي إلى أن المغرب “دخل مرحلة جديدة: خصوبة منخفضة، أسرة أصغر، وشيخوخة قادمة بسرعة”، محذرا من أن الخطر لا يكمن فقط في انخفاض الولادات، “بل في أن يحدث ذلك قبل اكتمال التحول الإنتاجي والعدالة الاجتماعية”، ما يجعل الرهان الحقيقي، حسبه، هو تحويل هذا التحول الديمغرافي إلى فرصة اقتصادية واجتماعية.