لماذا وإلى أين ؟

إحصائيات الجريمة في سنة 2020.. مؤشرات لدعم الثقة والرد على المزايدين

المتمعن في المؤشرات الإحصائية لعمليات مكافحة الجريمة، التي أعلنت عنها المديرية العامة للأمن الوطني في حصيلتها السنوية برسم 2020، لا بد وأن يقف مشدودا ومشدوها عند بعض المعطيات الرقمية الحافلة بالدلالات التي تتجاوز الأرقام والمؤشرات، خصوصا عندما نستحضر السياق الزمني الراهن، المطبوع بانعكاسات جائحة كوفيد-19 وتداعياتها على جميع الأصعدة والمستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بالمغرب.
30 بالمائة.. نسبة تراجع جرائم المس بالممتلكات

كما هو معلوم، فجميع الجوائح التي تعصف بالعالم، سواء كانت صحية أو تطبعت بطابع الكوارث الطبيعية والتكنولوجية، غالبا ما تفرز حالة من الارتياب والتصدع الاجتماعي، الذي تكون له انعكاسات على المستوى الأمني وعلى مرتكزات النظام العام. وقد لاحظنا في عدة دول، بما فيها كبريات الأنظمة الاقتصادية، كيف أن الخوف من ندرة المواد الغذائية والصيدلانية، أو تراجع مؤشرات الأمن الغذائي، أفرزت تزايدا ملفتا في أعمال الشغب وفي إحصائيات جرائم السرقة والسطو، مما هدد الأمن والاستقرار الاجتماعيين.

لكن رغم تحديات وإكراهات الجائحة، تكشف المؤشرات الرسمية لعمليات صون الأمن العام، كيف حافظ المجتمع المغربي على سكينته وهدوئه ولم يسجل أية انزلاقات نحو أعمال الشغب، باستثناء خروج عرضي محدود، وبدون عنف، لدعاة “اللطيف” في طنجة وفاس في إبان الجائحة، وذلك بالرغم من إمعان بعض صُناع المحتوى الزائف في إشاعة بعض التسجيلات الرقمية المغرضة التي توثق إما لأحداث سجلت بالخارج أو لوقائع إجرامية قديمة، في محاولة مجهضة للمس بالشعور بالأمن لدى عموم المواطنين.

أكثر من ذلك، يؤكد المظهر العام للجريمة كيف تراجعت نسبة الجرائم الماسة بالممتلكات بأكثر من 30 بالمائة في زمن الجائحة مقارنة مع السنة التي سبقتها! والمقصود هنا هي جرائم السرقة بجميع أصنافها (الزهيدة والموصوفة والمقرونة بالتهديد أو العنف والسرقات بالنشل أو الخطف). وفي قراءة لما وراء هذه الأرقام، يتأكد جليا أن الحضور الأمني اضطلع بدور هام في حماية ممتلكات وأموال المواطنين خلال فترة الحجر الصحي، كما أنه نهض بدور أساسي في تأمين ومواكبة الرفع التدريجي لإجراءات الحجر الصحي، وهو مؤشر مهم يدل على نجاعة المقاربة الأمنية التي اعتمدتها مصالح الأمن الوطني خلال جميع المراحل التي عرفتها سنة 2020.

ضبط 300 متهم بالابتزاز والتحرش الجنسي

من المعطيات الرقمية الدالة التي كشف عنها الأمن المغربي في حصيلته السنوية، نجد تقديم 300 شخصا أمام العدالة من أجل قضايا الابتزاز والتحرش الجنسي عبر الأنترنت. والتمعن في هذا المؤشر الإحصائي يحيلنا بالضرورة إلى استخلاص قناعات أكيدة مؤداها (أولا) أن التطبيق الدقيق لحالة الطوارئ الصحية دفع بعض المشتبه فيهم إلى ارتكاب جرائم عن بعد! أي جرائم معلوماتية لا تحتاج إلى الاتصال المباشر بين الجاني والضحية، ثم (ثانيا) أن خلايا اليقظة المعلوماتية للأمن تتسم بالفاعلية والفعالية، لأنها تمكنت من إجهاض هذه الجرائم التقنية وبلوغ مقترفيها، رغم ارتكابهم لعناصرها المادية عن بعد وفي مسرح للجريمة غير مادي (بنية افتراضية).

أما المعطى الثالث والأهم، فيتمثل في تأكيد المنسوب المرتفع للحماية الأمنية للنساء ضحايا التحرش أو الابتزاز خلال سنة 2020، وهو ما يقوض مزاعم “القوّالين” الذين زعموا بإهمال السلطات المغربية لشكايات التحرش والابتزاز التي تطال النساء، والتي كان يتم إطلاقها بين الفينة والأخرى لتسويف وتسييس قضايا المرأة بالمغرب، خصوصا ممن لهم خصومة مفتعلة مع الدولة.

فتقديم 300 متهم بالتحرش والابتزاز الجنسي أمام العدالة في زمن الجائحة، معناه إجهاض الأمن ل 300 قضية في سنة واحدة، ومعناه أيضا حماية 300 ضحية في عام موسوم بالجائحة، وهذا فيه جواب قطعي على التراشق الإعلامي الذي دخل فيه البعض، من بينهم نقيب سابق للمحامين، والذي كان يُشهر، في كل مرة، فزاعة “الانتقائية في آليات الحماية المكفولة للنساء”.

96 بالمائة.. معدل نسبة الزجر

بلوغ نسبة 96 بالمائة كمؤشر للزجر، أي نسبة حل واستجلاء حقيقة القضايا الزجرية، يعني أن المصالح الأمنية المغربية بلغت مرحلة متقدمة جدا من النجاعة في معالجة القضايا الجنائية. وهذا المؤشر الرقمي كفيل لوحده بتعزيز وتدعيم ثقة المواطن المغربي في جهازه الأمني، وتحفيزه على الركون إليه كلما كان ضحية اعتداء أو تهديد. وقد أصبحنا نلمس هذه الثقة المطردة في استطلاعات الرأي المجتمعية والأكاديمية المنشورة مؤخرا، والتي تؤكد أن منسوب ثقة المواطن المغربي في جهاز الشرطة بلغ معدلات قياسية تجاوزت في كثير من الأحيان 83 بالمائة بالنسبة للعديد من الشرائح المجتمعية.
لكن في لغة الإحصائيات الجنائية، لا يمكن بلوغ 96 بالمائة كنسبة للزجر بدون عمل أمني في العمق. فاستجلاء حقيقة القضايا الجنائية لا يحتاج فقط إلى تدعيم كفاءات المحققين والباحثين، وإنما يحتاج أيضا إلى إستراتيجية مندمجة وعرضانية ترتكز على شرطة علمية وتقنية مؤهلة، وبنيات شرطية داعمة، وآليات للإسناد التقني والاستعلام الجنائي، فضلا عن ثقة متزايدة للمواطن في الشرطة، بشكل يدفعه للتبليغ عن كل الجرائم، لئلا يبقى إجرام الظل، أو الجرائم المسكوت عنها، بعيدة عن قصاص العدالة.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x