لماذا وإلى أين ؟

صبري: ديميستورا يُعاين تنفيذ الحُكم الذاتي في الصحراء المغربية و التطورات تجاوزت حُضور الجزائر و موريتانيا .

صبري الحو*

لا نتسائل عن سبب زيارة ستيفان ديميستورا للمغرب، فتلك مهمته الأساسية كمبعوث شخصي للأمين العام للأمم المتحدة؛ يزور، يلتقي، و يحاور، ويعاين ويستمع و ينقل . ولكن نتساءل في هذه الورقة عن لماذا الآن وفي هذه اللحظة بالذات ؟ ولماذا المغرب والإقليم حصريا؟ ولماذا استثناء باقي المحطات في الجزائر وموريتانيا؟ وكيف سيكون رد المغرب الذي يطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن و اعتبار الجزائر طرفا أصليا؟.

يبدو الجواب على هذه الأسئلة صعبا، و بمثابة من يتكهن بالأمور في ميدان السياسة، الذي لا تضبطه قواعد العلوم الحقة، ويراعي فقط المصالح و التوازنات. و مع ذلك فان من تابع تاريخ الملف و مراحله و مواقف الأطراف والتطورات الآنية يدرك أن مآلات النزاع رجحت بفارق كبير، و يستبعد هامش المفاجأة لصالح الحسم للمغرب في اطار الشرعية الأممية، و التاريخية و الرجحان القانوني، وكل ذلك معزز باتباع المغرب لمبدأي الواقعية في اعداد و عرض المبادرة بالحكم الذاتي كحل سياسي وسط و عملي بين الإندماج والإنفصال، ورفضه التطرف على نفسه قبل مطالبة الآخرين بنهجه و التخلي عن الحلول الطوباوية و غير العملية.

ورغم كل هذه الصفات والأوصاف التي تتحد وتتوحد في العمل والمبدأ والموقف المغربي، و المعضد بقبول وانخراط واندماج عنصر الساكنة في الاقليم محل النزاع في كل مناحي الحياة سياسيا اقتصاديا واجتماعيا بما يؤكد استجماع المغرب لكافة معايير وشروط الحسم داخليا. فان النزاع مقبل على اتخاذ مرحلة صعبة بصعوبة القرارات التي تتمخض عنها.

فهي مرحلة جد حساسة ولا تقل صعوبة عن كل ما سلف. فالكشف و الاعلان عن الحل الذي يضمن التنمية والأمن والإستقرار للمنطقة المغاربة والساحل والصحراء و تأييده في ظل هروب الجزائر للتوافق السياسي عليه، لاعطاء اشارة أن ذلك يفتح الفرصة لعودة الصراع كاحدى كل الإحتمالات والفرضيات المتشائمة في اطار ما يسمى في أدبيات التعبير الأممي بالحرب الشاملة. ولهذا كان اهتمام الأمم المتحدة منذ 2006 منصبا على اهمية التوافق السياسي، بيد أن المغرب يشعر، بل انه أدرك وتفطن أن التعنت الجزائري لا حد له ولا نهاية له، في عدم رغبتها في ادراك الحل ولا تحمل مسؤوليتها من أجله . ولهذا يرافع المغرب ديبلوماسيا من أجل اقناع الأمم المتحدة بذلك، وقد نجح في جعلها طرفا أصليا ، و في نفس الوقت يشتغل لضمان بقاء و استمرار سيرورة الإقناع الدولي بشكل ينقل الضغط جهة الجزائر، و يجعلها تخضع للواقعية والعملية .

ولا يتوانى المغرب في تصحيح المغالطات الجزائرية ، والكشف عن مناوراتها و اسقاط كل الأقنعة التي تتموه داخل جوفها الجزائر وتختفي خلفها. مع ابداء الصرامة والحزم بما يعطي الدليل أن المغرب لا يمكن ان يستمر في الصبر، وأن يتم رهن مسار تطوره و موارد من المفترض ان تعزز احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الى ما لانهاية، وليس المغرب من يتأثر سلبا من استمرار النزاع بل يطال المنطقة المغاربية في التنمية كاملة، و تمتد تردداته على مستوى الأمن والإستقرار الى الساحل و الصحراء .

و قد يكون المجتمع الدولي و الأممي يستعد لإعلان قراره الأخير بسيادة المغرب على الإقليم و السير في اطار التفاوض لتطوير المبادرة و تطبيق الحلول الدائمة الخاصة باللجوء، ذلك أن اقدام مجموعة كبيرة من الدول على فتح قنصلياتها في الإقليم والإعتراف الأمريكي بشرعية سيادة المغرب على كل الصحراء و دعم اسبانيا كقوة استعمارية للاقليم لمبادرة المغرب بالحكم الذاتي ليس مجرد محض صدفة، بل إنها اتخاذ من الدول لقرارات صعبة و بمثابة تنفيذ فعلي دولي للحل .

ولهذا تأتي زيارة ديميستورا لمعاينة هذه التطورات ميدانيا على كل الأصعدة؛ تنموية وأمنية و معاينة التطبيق الدولي للحكم الذاتي واستجواب ولقاء ممثلي الساكنة وباقي المحاورين في علاقة بذلك، وهو سر ولغز الزيارة الخاصة، رغم انني اخشى ان تتحول الى نهج مبتكر بصيغة جديدة، فالمحاور صاحب المصلحة هو المسؤول و ممثل الساكنة. و العبرة بما يتحقق على الأرض و إرادة الساكنة بالقبول به ومعاينة انخراطها و اندماجهم الفعلي بعيدا عن خطاب التأكيد و خطاب النفي.

فالمبعوث الشخصي يحاول اقامة الحجة من معاينته الرسمية، لينقلها الى الأمين العام و من خلاله الى مجلس الأمن، فالزيارة تتجاوز مجرد الإعداد لتقرير أكتوبر المقبل، وتتجاوز الإعداد لمناقشات المائدة المستديرة بل تأتي في اطار مغاير، وتؤسس لمنعطف جديد هو تأكيد حل يستند على التاريخ والقانون وله مرجعية قضائية، و يتماشى مع الإرادة الدولية المجسدة على أرض الواقع والمتطابقة مع مبادرة المغرب بالحكم الذاتي، ولا شك أن الرفض الجزائري حضور مناقشات المائدة المستديرة وخرق البوليساريو لوقف اطلاق النار و فسخه سيكون موضوع تقارير خاصة تنقل الى مجلس الأمن، و سيتخذ دليلا على وضع المسؤولية عليهم.

و قد يزور مبعوث الأمين العام الآن، أو وفي وقت لاحق لم يعين بعد باقي الأطراف، فهو في وضع مريح مادامت الأحداث والتطورات التي حدثت مؤثرة جدا في نتيجة النزاع لفائدة المغرب. في فتح الدول لقنصلياتها في جهتي الاقليم؛ الداخلة والعيون، و في قناعة مجلس الأمن الثابتة في قراراته ، والإعتراف التأكيدي الأمريكي والدعم الإسباني، كل ذلك جعل المائدة المستديرة وأطرافها الأخرى متجاوزة.

فالأهم أن قناعة أممية ودولية حصلت ونفذت الى اعتقادها الصميم و الراسخ، ويتم تنفيذها من طرف الدول من كل القارات بما فيه الدول القوية . و إن الجزائر وموريتانيا- وبغض النظر عن الصفة والمصلحة في حضورهما كأطراف اصلية او مراقبة او ملاحظة في مناقشات المائدة المستديرة-فان التطورات التي حصلت تجاوزت هذه المائدة ومناقشاتها، و قزمت حضور الجزائر وموريتانيا وافرغته من محتواه ومضمونه، والعبرة بالرأي والموقف والقرار المغربي، والباقي كله أصبح مجرد جزئيات، فالثقل عليهم لاتخاذ مبادرات جريئة للرجوع الى وسط الديناميكية الدولية للحضور في عمليات صناعة الحل في اطار السيادة المغربية.

و ستجد الجزائر نفسها في مواجهة مباشرة مع المفوضية الأممية لغوث اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة والمجلس الدولي لحقوق الانسان لتطبيق قواعد القانون الدولي الخاصة باللجوء، وستتم دعوتها الى تطبيق القانون الدولي بتفكيك المخيمات و تطبيق الحلول الدائمة الخاصة باللجوء.

وذلك بالسماح لمن اراد من ساكنة تندوف و من اللاجئين العودة الى المغرب و الإقليم ، أو الإندماج في النسيج الوطني والإجتماعي الجزائري، الحق الذي توفر لكافة لاجئي مخيمات تندوف بعد قضائهم مدة أكثر من سبع سنوات كحد أدنى مطلوب للحصول على الجنسية الجزائرية، ولا علاقة لذلك بتقرير المصير الذي تتشبت به الآن . أما الحل الثالث في اطار انهاء اللجوء فيكمن في اعادة التوطين صوب موريتانيا لمن يعتبر موريتانيا من الأصل قبل ادعاء اسباب اللجوء.

*محامي بمكناس: خبير في القانون الدولي قضايا الهجرة ونزاع الصحراء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا

    موحى
    03/07/2022
    18:40

    تعليقات ، و أراء الأستاد تفيد دائما . لكن ، كيف التعامل مع صيغة “حل يرضي جميع الأطراف ” أو “متوافق حوله” ؟
    أرى ، أن الأطراف الأخرى مرتاحة حتى في حل الحكم الذاتي . هي ستكون محمية من قبل الأمم المتحدة داخل جغرافية الحكم الذاتي ، و مع الزمن المتوسط ، أو البعيد ، ستفرض الإستقلال وفق القانون الدولي كذالك ، عندما تهيج الرأي “الصحراوي” لأطرحتها .

    0
    1

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد