لماذا وإلى أين ؟

الثـورة الثقــــافية

لا شك أن ثمة تشابه قائم بين “المجتمع البشري” المكون من أفراد و جماعات تنتمي لهوية و ثقافة مشتركة بينهم، من جهة، و بين “المجتمع الدولي” المتكون من عديد الدول و المنظمات الدولية، و هو تشابه قد يبلغ درجة التطابق بينهما، وهذا حادث بالرغم من وجود اختلاف نظري يتجلى بالدرجة الأولى في تسجيل تميُّـز أفرادِ المجتمعات البشرية، باعتبارهم أشخاصا “ذاتيين”، عن “الدولة” باعتبارها تقع في دائرة الأشخاص “المعنويين”.

من خلال الواقع البشري، الذي حدد العلماء خصائص مكوناته عبر بحوث علمية استهدفت الإنسان كموضوع لدراسة امتدت منذ العصور البدائية و لازالت مستمرة إلى العصر الحالي بأشكال أكثر دقةً و موضوعية، من خلال هذا الرصد الدقيق، تمكنت الدراسات المتنوعة من التوصل إلى قاعدة عامة يكاد يجمع عليها الكل، فالأفراد المنتمون لمجتمع بشري ما، كيفما كانت طبيعته أو موقعه على ظهر البسيطة، يختلفون عن بعضهم البعض، فمنهم من يوصف بالحكمة و منهم من يتصف بالبلاهة، ومنهم النابغ و البليد، القوي و الضعيف، الذكي و الغبي، المبدع و الخمول. السؤال : هل يجوز القولُ بوجود نفس الإختلافات حينما يتعلق الأمر بالحديث عن شعوب الدول؟

هذا السؤال يُعْتَقدُ أن الإجابة عنه تسمح بالحسم في موضوع الإجابة عن السؤال المتعلق بطبيعة الدول و درجة كل واحدة منها على حِدة في سُلَّــم المجتمع الدولي.

ربما لا يكاد يجادل أحد في خلاصة واضحة تفيد بأن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت تحتفظ في الواقع بمكانتها كأقوى دولة في العالم، و المُثير في هذه الخلاصة البديهية أنها جاءت نتيجة تقرير استطلاعي عن آراء عشرين ألف شخص يحملون جنسيات ثمانين دولة في العالم، و هو تقرير أصدرتهُ جامعة أمريكية إسمها “بنسلفانيا”، ولم يعتمد التقرير خلال إنجازه على التفاهات أو المتمنيات، بل اعتمد في تقييمه لأيةدولة على قوة اقتصادها، و تأثيرها السياسي على المستوى العالمي، و قدراتها العسكرية، التي تُسْتنبط بالأرقام الواردة في مُخصَّصاتِ الدفاع بالنسبة لكل واحدة من الدول، و هذا بالطبع مُضاف إلى معاييرَ أخرى تتعلق بدرجة انتشار العلوم و الصناعات و الأمن الغذائي و الصحي.

في مقابل الدول القوية الجبارة، و في طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية، توجد على الطرف النقيض أسرابٌ من “الكائنات” التي لا تحمل من صفات الدولة سوى الإسم، وهي “دول” يمكن القول، دون مبالغة أو أي تحفظ، إنها دول فاسدة، لا من حيث بنيتها و مَنْشَئِها، و لا من حيث طريقة إدارة شؤونها، فهي دول يجوز تصنيفها، بكل سهولة و يسر، ضمن الفئة “الفاسدة”، إذ ينتشر فيها الفساد و تعُمُّ فيها البلادة و سوء التدبير، مع ارتفاع صارخ لنسبة اللصوصية و النهب.

تشخيص هذه الأعراض السلبية التي تضرب الدولة الفاسدة ليس بالأمر العسير أو المُضني، فيكفي الإطلاع على مرفقٍ واحد من مرافق هذا الصنف من الدول، أو على واحدة من مؤسساتها الإدارية، حتى يتضح حجم الفساد الضخم الذي يلحقها من جراء تنصيب اللصوص و الأفاكين و الأفّاقين عليها، و حلول النصّـابين و البلداء على ولاية شؤونها.
و مادامت مؤسسات الدولة، ذات الطبيعة العمومية تعتبر، بحكم قواعد المنطق، أعضاءَ حيوية داخل جسم الدولة، فإن تلك الدولة لن يكون بمقدورها بلوغ الوسائل الكفيلة بطرد الضّعف و إِحْــلال القُـوَّة بدَلَه، بل إن وضعا كهذا يجعلنا نميل للإعتقاد بأنها كائن عليل يُعاني الأسْقام و الأوبئـة الفريدة، و أنها لا محالةَ بالغةٌ مرحلةً متقدمةً من درجات الضّعف و الهوان بصورة تُــنْبأُ بقُرب زوالِــــها.

من هنا يجوز التقرير، دون مواربة، أن مسألة بقاء دولة من هذه الفصيلة على قيد الحياة، و استعادة وظائفها لبلوغ درجات القوة و العنفوان، لن يتحقق عبر مجرد مُعالجة سريرية، بل عبر إصلاح جذري حقيقي، إصلاح يستطيع وضع نهايةٍ لعبث البُلهاء و اللصوص و الإنتهازيين، و محْـو المُرتشين و المُتطفلين من خارطة المؤسسات العامة، وذلك بمحاكمتهم  و بنصب المشانق العادلة لهم.

إن الإصلاح الجـــذري، الذي بوسعه إنقاذ دولة مثل المغرب، لا يمكن أن يتم إلا عبر وسيلة الثورة السلمية الجــارفة، ثورة حقيقية تقضي على أخْـــلاق الفاسدين، و تُعيد الكفاءات الحقيقية لمواقع التدبير و الإدارة لتحُلَّ محل  عموم”الفاسدين” في مختلف درجات المسؤولية.
قد يبدو الأمرُ صعبَ المنال و التحقيق، وهو بالفعل كذلك، وذلك لسببٍ بسيط، إذ أن الأمر يحتاج في الواقع لقيام ثورة حقيقية هي “الثــــورة الثقـــــافية”.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

 

    احمد
    18/09/2022
    12:16

    التورة الثقافية نعم، ركيزة اساسية لانفتاح العقول، واحتكامها الى المنطق المبني على تقدير المخاطر، والمكاسب، لكن لا اعتقد ان هذا التوصيف ينطبق على كل الشعوب، فالصين مثلا دولة لا تخلو من فساد ومن تحكم في الرقاب والاراء، ومع دلك توجد بها نهضة علمية ولا اقول فكرية، تدفع بها الى الامام، والثورة الثقافة تحتاج بدلك الى تحليل اعمق.

    1
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد