لماذا وإلى أين ؟

في انتظار مؤتمر القمة العربية

لكن هذا التحفظ المبدئي على عقد القمة المنتظرة لا يكفي للنفور منها، فهل هناك بديل لجامعة الدول العربية ومؤسساتها؟ وكيف يواجه العرب أحوالهم اليوم؟ كيف يفكّرون في محيطهم الإقليمي؟ وكيف يتفاعلون مع القِوَى العالمية، وقد تضاعف حضورها في قلب ديارهم؟ كيف يفكّر القادة العرب في البلدان العربية التي لم تستقر أحوالها منذ انفجارات الربيع العربي؟ ثم ما مآلات الصراع العربي الإسرائيلي زمن الاختراق الصهيوني للمغرب والخليج العربيين؟ وما أبرز أسئلة المشروع الوطني الفلسطيني اليوم؟

كيف جرى ويجري التحضير للقمة ولجدول أعمالها؟ أعترف بالقدرات الهائلة التي تمتلكها أنظمة عربية كثيرة في تشخيص أدوار التعاون والتضامن التي لا تقول ولا تفعل أي شيء. وأتصوَّر أنه إذا حصل هذا الأمر في المؤتمر المقبل، ستتضاعف درجات الوهن والهوان في العالم العربي، وستصنع القمة مهازل تُضاف إلى مهازلنا السابقة، لِتُغَذِّي فائض الوسائط الاجتماعية “بالطرائف المحزنة”.

صوت آخر مُتحفِّظ من عقد القمة العربية يقول: كيف يُعَدّ لمؤتمر القمة، بعد أن عجزنا سنواتٍ عن عقد قمة مغاربية؟ وماذا فعلت أنظمة المغرب الكبير، لوقف الاختراق الدولي والإقليمي في ليبيا؟ ثم يتساءل عن الآثار التي نتجت من دعوة الرئيس التونسي، قيس سعيّد، زعيم جبهة بوليساريو لحضور أعمال القمة اليابانية الإفريقية يوم 26 الشهر الماضي في تونس؟ كيف يعقد مؤتمر للقمة في أجواء سياسية تعمّق المسافات بين بلدان المغرب العربي؟

يبدو أنني لم أستطع التخلص من الطريق الذي يُشعرني بجدوى القمة وأهميتها، رغم مختلف أشكال الضيق المرتبطة بالراهن العربي، والتي تملأ عقلي ووجداني. وفي هذه الحالة، يمكنني أن ألجأ إلى استخدام آلية المقاومة التاريخية الممكنة، لَعلَّها تقرّبني أكثر من الأفق التاريخي الإيجابي في النظر إلى الأوضاع العربية، وإلى قمة الجزائر، وقد أصبحنا اليوم قاب قوسين أو أدنى منها. وضمن هذا الأفق، أشير إلى أنني أفكر أساساً في القمة العربية، وليس في البلد الذي ستعقد في دياره، فمهمة المؤتمر ترتبط حسب قوانين جامعة الدول العربية بالرؤساء والملوك العرب المشاركين فيها، فمن منهم يستطيع مواجهة التحولات التي شملت مختلف البلدان العربية، خلال العقدين الماضيين؟

ما يحصل اليوم في العالم العربي مرتَّب في سياق تاريخي معين، تتحمَّل فيه أنظمتنا ومجتمعاتنا ونخبنا النصيب الأول والأكبر. أما التكالب والمؤامرات التي تمارسها الأطراف الأخرى الإقليمية والدولية بِمَعِيَّتِنا، أو يمارسها بعضنا ضد بعضنا الآخر، لحساب مصالح في أجندة القِوى الإقليمية والدولية، فإنها تندرج ضمن السياق نفسه، بحكم أن التواطؤات القائمة والمُعلنة، وحسابات المصالح التي تقوم بها الأطراف المتصارعة داخل الأنظمة العربية المنهارة، أو التي تنتظر استكمال عمليات انهيارها، تمارس مع القِوى المتربصة بنا أدواراً مشتركة، الأمر الذي يسهّل عمليات التفكك الجارية، بكل ما سيترتَّب عنها من تداعيات.

نستطيع أن نتحدّث اليوم عن جامِع واحد يشمل مختلف الأقطار العربية، يتعلق الأمر بالنفور من مبدأ الحوار والنفور من الإصلاح، والدخول، بَدَل ذلك، في دوّامات من التنافس غير المفهومة وغير المحسوبة العواقب، وذلك بَدَل رسم سيناريوهات التعاون والتكامل والتنمية، بلغة الظرفية العامة ومتطلبات الأزمنة الحديثة ومقتضياتهما. ولعل تأمُّل ما يجري هنا وهناك في المشرق والمغرب العربيين يُظهر أن الأنظمة العربية تقوم اليوم بأدوار ترتبط أساساً بمصالح قِوَى أخرى، تاركةً مختلف الطموحات والآمال العربية جانباً، فكيف يعقد مؤتمر للقمة في ضوء هذا؟

ليس متصوّراً أن القمة المنتظرة في الراهن العربي تتيح للعرب إمكانية تدارُك مختلف التراجعات والإخفاقات في بلدانهم خلال العقدين الماضيين، فأوضاع اليمن وسورية وليبيا والعراق تحتاج إلى أكثر من قمّة، لفرز ما جرى ويجري اليوم فيها، ووضع الخطط والبرامج القادرة على بناء ما يمكن أن يساعد في عودة الروح إليها.. ولأن الأمر بكل هذه الصعوبة، فإننا نتصوَّر إمكانية تخصيص القمة المنتظرة للتفكير في محورين: يتعلق أولهما بالبلدان التي وصلت أحوالها إلى درجة قصوى من الارتباك، قصد التفكير في كيفية إنقاذ اليمن وسورية وليبيا والعراق أولاً، كما يمكن تخصيص محور ثانٍ لبحث مآلات القضية الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني.

كيف يستطيع المؤتمر مواجهة هذا، والتفكير في كيفيات مواجهة صور الوَهَن التي شَلَّت مختلف أطراف الجسم العربي من المحيط إلى الخليج؟ قد لا يكون بإمكان من بَقوا من الحكّام العرب التفكير في الأحوال العربية، بالآليات المألوفة في القِمم العربية السابقة، فأحوال العرب اليوم بلغت درجات من الوهن لا مثيل لها، الأمر الذي يضاعف مسؤولية المشاركين في المؤتمر ويلزمهم بضرورة بلورة برنامج الحد الأدنى.. وضمن هذا الأفق، نتصوَّر أن التفكير في إيجاد حلول مناسبة لأشكال الاحتراب القائمة في ليبيا وسورية واليمن والعراق، ثم التفكير في برنامج التصالح الفلسطيني، وتعطيل مختلف أشكال التطبيع التي نجحت إسرائيل في تحقيقها.. يمكن أن يحول قمة الجزائر المنتظرة إلى أفق لإعادة بناء برنامج في التضامن العربي.

أما المحور المخصص للقضية الفلسطينية، فإنه يضعنا مباشرة أمام صور العدوان الإسرائيلي المتواصلة في الأرض الفلسطينية، وأمام أشكالٍ جديدة من الاختراق الصهيوني للأنظمة والمجتمعات العربية. كما يضعنا أمام أشكال الانقسام القائمة بين القِوى الوطنية الفلسطينية، فكيف يستطيع مؤتمر القمة العربية أن يجمع المطبِّعين القُدَامَى مع المطبِّعين الجُدد؟ وكيف يفكّر قادة هذه الدول في موضوع ما كانت تُسمى قضية العرب الأولى، أي تحرير فلسطين؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

    حسن
    21/09/2022
    08:01

    الله يعطينا وجهك انت تستعمل ضمير نا ونحن ، هم ما راضيينش بيك، وديك الهضرة ديال المغرب العربي راه غير واحد المخدر للي خرج علينا.

    0
    1
    احمد
    21/09/2022
    11:53

    كان احرى بهذه القمم ان تعمل على انشاء سوق مالية واقتصادية مشتركة، والعدول على قمم فارغة لا يصدر عنها سوى خطابات المجاملة وبيانات الادانة، في اخسن الاحوال.

    0
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد