لماذا وإلى أين ؟

التيجيني يكتب: من سلّم مادورو؟ الرواية التي لا تريد واشنطن سماعها

لم يكن ما جرى في فنزويلا حدثا عسكريا عابرا، ولا يمكن قراءته في إطار عملية أمنية خاطفة كما حاولت واشنطن تقديمه للرأي العام الدولي، بل يبدو أقرب إلى لحظة إعادة ترتيب عميقة لمراكز القرار داخل الدولة تحت إشراف خارجي غير معلن، حيث خرج نيكولاس مادورو من المشهد بينما بقيت البنية الصلبة للسلطة في مكانها دون أي تفكيك أو زعزعة.

المشهد اللاحق لخروج مادورو يطرح أسئلة ثقيلة. فالقيادات العسكرية العليا نفسها التي شكلت عماد النظام السابق لا تزال تدير مفاصل الدولة والأجهزة الأمنية نفسها لم تمس والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنفط والريع ما زالت فاعلة وكأن البلاد لم تعرف تغييرا في جوهر السلطة بل عرفت فقط تغييرا في رأسها السياسي، وهو ما يجعل فرضية التدخل العسكري الكلاسيكي وسيناريو فرقة “الديلتا” فاقدة للانسجام مع الوقائع الميدانية.

فنزويلا عاشت خلال العقدين الأخيرين تشكل دولة عميقة بوليفارية أدركت تدريجيا أن مادورو تحول إلى عبء دولي ثقيل، أصبح اسمه مرتبطا بالعقوبات وبالعزلة وبالصدام المفتوح مع واشنطن، وأصبح وجوده يعرقل أي إمكانية لإعادة إدماج البلاد في النظام المالي العالمي، لذلك تحول بقاؤه من ضمانة للاستمرارية إلى خطر على استمرارية النظام نفسه والمستفيدين منه.

في هذه اللحظة يصبح التخلص من الرئيس خيارا براغماتيا لا خيانة ولا انقلابا سياسيا. الجيش والنخبة الإدارية اختارا التفاهمات السرية التي انتهت بإخراج مادورو من المشهد مقابل بقاء البنية العميقة للنظام، اختارا التضحية بالرأس من أجل حماية الجسد ومن أجل الحفاظ على بنية السلطة والامتيازات، وتجنب سيناريو التفكيك الليبي والمحاكمات الدولية والانهيار الشامل للدولة.

واشنطن من جهتها لم تكن تبحث عن إسقاط الدولة بل عن تحييد رأسها المأزوم، فالفوضى لا تخدم مصالحها، والفراغ الجيوسياسي أخطر عليها من خصم يمكن تطويعه، لذلك اختارت إعادة هندسة النظام بدل هدمه، وتحييد مادورو بدل تفكيك الدولة، وتحويل فنزويلا من خصم إيديولوجي إلى دولة واقعة داخل دائرة النفوذ غير المباشر.

وهكذا دخلت فنزويلا مرحلة جديدة بوجوه قديمة، وخطاب أقل عدائية، واقتصاد يعاد توجيهه تدريجيا نحو خدمة مصالح الولايات المتحدة، وسيادة اسمية يقابلها نفوذ فعلي يعاد بناؤه عبر القنوات الدبلوماسية والمالية وليس عبر الدبابات.

ما سقط في الحقيقة ليس التشافيزية ولا الدولة البوليفارية، بل مادورو وحده. أما النظام فقد أعيد تشغيله بنسخة أكثر قابلية للتكيف مع موازين القوى الدولية. مرحلة يمكن تسميتها بالوصاية الأمريكية في أوج قوتها وفي ذروة تمددها ونفوذها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
MRE 75000
المعلق(ة)
5 يناير 2026 19:07

bonjour CHER AMI c’est vrai ceux et celles qui épluchent ils restent en poste , celles et ceux qui Encaissent ils restent en poste ceux et celles qui ont vendu le boeuf ont bien été payé largement pour l’avoir offert entre les bonnes Mains gantées

احمد
المعلق(ة)
5 يناير 2026 12:00

كل نظام يسعى عبر مقاربة برغماتية واقرب للواقع الى بقائه واستمراره، والعملية تمت بتواطى اطراف من داخل النظام على التضحية بالرأس لضمان المصالح والاستقرار باقل الخسائر، لكن العملية في دلالتها السياسية ورمزيتها تعد سلوكا شادا في العلاقات الدولية لانها لم تحضى باي دعم او مشاركة دولية تضمن لها نوعا من الشرعية كما حصل في اقتحام العراق، ومن تم فهي تفتح الباب لمنطق استعمال القوة وانتهاك سيادة الدول، وتشرع لكل من يسيطر على المال والتكنولوجيا ان يقوم بنفس السلوك، فماذا مثلا او اختارت الصين ان تقتحم تيوان التي تعتبرها جزءا من ترابها وتعتقل رئيسها وتحاكمه بالقوانين الصينية.؟ انه منطق الغزو في القرون الوسطى حين كانت الابراطوريات القوية تقتحم امصارا بعيدة وتدل سادتها وتستعبد شعوبها بالقوة.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

2
0
أضف تعليقكx
()
x