2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في اللحظات التي يلتقي فيها التألق الرياضي الوطني بالرؤية الملكية الحكيمة لا يعود الحدث مجرد منافسة عابرة، بل يتحول إلى صورة عاكسة لطموح أمة بأكملها. هكذا بدت النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، ليست فقط تظاهرة ناجحة على مستوى التنظيم، بل محطة دولية أكدت مكانة بلد يدار بمنطق الدولة وبأفق استراتيجي بعيد عن الحسابات الظرفية.
منذ الإعلان عن احتضان المغرب للتظاهرة، كان واضحا أن الأمر يتعلق بورش دولة. الدعم الملكي لم يكن رمزيا، بل كان توجيها استراتيجيا جعل من الرياضة رافعة دبلوماسية وتنموية. كل التفاصيل، من البنيات التحتية إلى جودة التنظيم، من الأمن إلى التدبير اللوجيستيكي المحكم، حملت بصمة رؤية تعتبر كرة القدم جزءا من مشروع وطني متكامل.
في قلب هذا التحول، برز دور فوزي لقجع باعتباره رجل تنزيل الرؤية الملكية في قطاع الرياضة وكرة القدم. ما تحقق لم يكن وليد صدفة ولا ضربة حظ، بل نتيجة سنوات من العمل الهادئ، من تحديث الملاعب، إلى هيكلة التكوين، إلى جعل كرة القدم المغربية حاضرة قاريا وعالميا. ألقاب الفئات السنية، تألق المنتخب الرديف، الحضور المشرف قاريا، ثم الاستعداد المشترك لتنظيم كأس العالم 2030.. كلها حلقات في مسار واضح المعالم.
الجماهير المغربية بدورها كانت في الموعد. صورة المدرجات الراقية، التشجيع الحضاري، الأهازيج الموحدة، والالتفاف حول العلم.. كلها رسائل قوة ناعمة وصلت أبعد من حدود الملاعب. لقد أثبت المغاربة أن الشغف يمكن أن يكون حضاريا، وأن الوطنية يمكن أن تعبر عنها بفرح منظم لا بفوضى.
في المقابل، لم يخلُ المشهد من محاولات تشويش. المنابر الإعلامية الجزائرية اختارت منذ البداية خطاب التشكيك والتبخيس، بدوافع سياسوية ضيقة لا علاقة لها بالرياضة. هذا السلوك المدان أخلاقيا ومهنيا سقط أمام واقع النجاح، لأن الحقائق على الأرض كانت أقوى من حملات التحريض خلف الشاشات.
أما ما صدر عن المنتخب السنغالي وجمهوره من تصرفات مشينة ومرفوضة، وما تبعه من عقوبات مثيرة للجدل من طرف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، فقد ألقى بظلاله على نهاية البطولة. لكن، وبرغم مرارة اللحظة، فإن قوة الأمم تُقاس بقدرتها على تجاوز الصدمات لا الارتهان لها.
اليوم، المطلوب في المغرب هو الهدوء لا الانفعال، البناء لا معاتبة الذات. السقوط في فخ إعلام الخصوم هدية مجانية لهم. النقد مطلوب، نعم، لكن داخل منطق الإصلاح لا الهدم، وضمن وعي بأن ما تحقق أكبر من نتيجة مباراة.
الرهان الحقيقي الآن هو المستقبل: مواصلة الاستراتيجية الوطنية، توسيع دائرة الاستفادة من الدينامية الرياضية لتشمل كل جهات المملكة، تكريس العدالة المجالية، وربط الرياضة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتأهيل العنصر البشري.
فالكان، والمونديال، وكل التظاهرات الكبرى.. ليست أهدافا في حد ذاتها، بل وسائل لتسريع مسار تنموي شامل. الرياضة هنا تصبح مدرسة مواطنة، ومختبرا للكفاءات، ومحركا للاقتصاد، وجسرا لصورة المغرب في العالم.
التحدي اليوم ليس أن نحتفل بما أنجز فقط، بل أن نحمي هذا المسار، نحصن جبهتنا الداخلية، نصلح ونطور إعلامنا العمومي ليواكب حجم التحديات، ونلتف حول الاستثناء المغربي الذي يقوده جلالة الملك، بدعم كفاءات وطنية أثبتت نجاعتها وفي مقدمتها فوزي لقجع.