لماذا وإلى أين ؟

يوسف كرماح : المثقف اليوم يؤثر في المثقف فقط وينتظر المعجزات من المتلقي المفترض

في ظل الطفرة التي يعرفها المغرب في مجالات عدة، المجال الثقافي ليس استثناءً، حيث وصلت أربع روايات مغربية إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا في فئة الروايات المنشورة، ضمن قائمة ضمت أفضل 60 رواية عربية لهذه السنة التي أصدرتها جائزة “كتارا” في دورته التاسعة.

وفي هذا الصدد، ارتأت صحيفة “آشكاين” في فقرتها لضيف الأحد لهذا الأسبوع، أن تستضيف الكاتب يوسف كرماح، الذي وصلت روايته “من وحي آلة كاتبة”، من بين الروايات الأربعة المغربية ضمن القائمة الطويلة لجائزة “كتارا”.

وهذا نص الحوار:

بداية عرفنا بيوسف كرماح ؟

أتهرب من هذا السؤال لأنه ليس مستحبًّا، يتفاداه الكاتب، لأنه يتعفف عن تقديم ورقة تعريفية عنه وليس مهنيا بالنسبة له. الكاتب دوما ينتظر تعريفاً من المتلقي، سواء كان قارئاً أو صحفياً. هناك استثناءات تتعلق بالكاتب الأكاديمي الذي يتحمل تقاسم سيرته العلمية المشحونة بالديبلومات والجوائز ومشاركة اللقاءات، الكاتب المبدع ربما يفضل تقديم نفسه بوصفه كاتباً وكفى، وإن كان في الصفة الكثير من المبالغة، فضلا إن كان لديه بعض المهام الأخرى. يوسف كرماح بعجالة في أسمى تجلياته: كاتب أهم ما يمكن أن تتميز به كتاباته روح السخرية ومحاكاة او إعادة تدوير الواقع الاجتماعي. قارئ نموذجي، ناشر، محرر، فاعل ثقافي. يتمتع بحس صحافي. هناك يوسف كرماح آخر لا يعرفه أحد ولا يمكن أن يعرفه أحد، هو يوسف كرماح الذي نفسه لا يعرف نفسه، كائن لعين، قبيح، لاذع، كتلة من العقد النفسية التي تستعصي على فرويد نفسه، وعلى ذكر فرويد فلم يقرأ له كثيراً، وإنما قرأ لنيتشه ولشوبنهاور، ويعتبر كبير المتشائمين سيوران فيلسوفه العدمي الأهم.

متى بدأت الكتابة ولماذا تكتب؟

هذا سؤال آخر لا أعرف الإجابة عنه وليس مستحبا.

متى بدأت الكتابة؟ لدي تحفظات على فعل الكتابة، لن أرجع إلى بارت وإلى سيوران أو غيرهما لأزكي رأيي، الكتابة مفهوم معقد، هل كل من يكتب يمكن أن يعتبر كاتبا؟ متى يكون الكاتب كاتبا؟ أو بتعبير صريح ما الذي يجعل من الكاتب كاتبا؟ هذا الادعاء يحيرني ولا أملك الجرأة الكافية لأعتبر نفسي كاتبا، ولكن التصنيفات تحتم ذلك؟ على العموم، صرت كاتباً من اللحظة التي قرأت فيها العديد من الكتب وفكرت أنني أستطيع أن أكتب مثلها أو أفضل منها. لم أنشأ في وسط ثقافي يحفز على القراءة أو الكتابة، لم يحفزني أستاذ في جل مراحلي الدراسية. لحد اللحظة ما أزال أفكر في الأمر. ولكن صدقاً من اللحظة التي عرفت فيها أنه على الكاتب أن يختار من البداية: إما أن يكون كاتبا جيدا أو يكون كاتباً سيئاً، وأنا أحاول أن أكون كاتبا جيداً. يمكنني أن أقول إنني بدأت أكتب عندما لم أجد ما أفعل وأنا طالب في الجامعة ولما تعرفت على محمد شكري وأحسست أننا عشنا القسوة نفسها والبؤس والانتماء الاجتماعي.

أما عن سؤال لماذا أكتب؟ فهذا أحد الأسئلة الإشكالية التي يحتار الكاتب في الإجابة عنها. لا يستطيع الكاتب الإجابة عنها بصدق، هناك من يكتب ليخلد وهناك من يكتب ليطرح قضايا تبدو له لم تنصف، وهناك من يكتب للشهرة وهذا وهم كبير، وهناك من يكتب تحت الطلب. ولكن أهم إجابة أن يعرف الكاتب نفسه لِمَ يكتب ويُجيب عن السؤال ولو لنفسه ويكون صادقاً مع نفسه.

صياغة الأدب لا تأتي من فراغ بل لابد من وجود محركات مكانية وزمانية حدثنا عن روايتك وحي آلة كاتبة وفي أي ظروف كتبت؟

وحي آلة كاتبة، كتبتها بشكل متقطع بحكم ظروف العمل ومتطلبات الحياة، لم أكن مُتفرغاً، وهذا أحد أصعب الإشكالات التي يقع فيها الكاتب، النَّفَس الذي تستهل به رواية ربما ليس هو نفسه الذي تنهيها به، ليكون الكاتب ناجحاً عليه أن يكون مُخلصاً للكتابة ومتفرغاً، الكتابة تحتاج إلى هدوء وتفكير واستراتيجية ومشروع، قد يتحلى الكاتب بالشغف والأسلوب وربما اللغة المتينة ولكنه لن يكون ناجحاً ككاتب. كتبت معظم فصول الرواية في المقاهي، ولا زلت، لا أستطيع الكتابة إلا في خضم صخب المقاهي. وأؤكد أنني لم أكتب تحفة فنية، لأنني لا أستطيع في الوقت الراهن ما لم تسعفني الحظوظ، أحد أهم ركائز الكتابة الحظ، ولنا عبرة في العديد من الكتب التي ساهمت في نجاحها الحظوظ، ليس لأنها بديعة أو روائع فنية وإنما ساهمت فيها ظروف معينة.

ماذا يعني لك وصول روايتك وحي آلة كاتبة للقائمة الطويلة لجائزة كتارا ؟

وصول الرواية للقائمة الطويلة لجائزة كتارا هذه السنة، هذا اعتراف مشجع ومحفز على المضي في الكتابة والحرص على كتابة أعمال جيدة. الجوائز مهمة للكتاب الشباب في هذه الظرفية التي تعرف هيمنة رهيبة للآليات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد للمتلقي الوقت الكافي للقراءة وجهد البحث والتنقيب على الأعمال الإبداعية الجديرة بالاطلاع، نعايش هذه الدينامية التي تلهب فتيلها قائمة الجوائز كل سنة.

ختاما ما هو تقييمك للوضع الثقافي الحالي بالمغرب؟ وهل للمبدع والمثقف دور فعلي ومؤثر في المنظومة الاجتماعية التي يعيش فيها ؟

يجب أن نعترف أن الشأن الثقافي المغربي مشرف جدا، يعرف حركية قوة عربيا وعالميا، وهذه الحركية توازي الحركية الاقتصادية التي تشهدها البلاد، نفرح كثيرا كل سنة بتتويج مغاربة في جوائز عربية هامة وحضور وازن في محافل أدبية. هذا الاعتراف يؤكد على الدور الفعال للمثقف في التنمية، ليس بالضرورة على المثقف أن يكون فاعلا في المنظومة الاجتماعية، المثقف يبحث ويكتب وكفى، ويمكنني أن أحتمي برأي كارلوس فوينتس: “فالكاتب موجود فقط كي تظل مسالك التواصل واللغة مشرعة”. ربما في زمن مضى كان للمثقف سلطة أقوى عندما كان هناك معنى للكتابة وتفاعل مع المجتمع، اليوم المثقف يؤثر في المثقف وينتظر المعجزات من المتلقي المفترض. أتفق معك في كون المثقف يجب أن يؤثر على سيرورة المجتمع فكريا وفلسفيا ولكن في خضم التقلبات التي يعرفها العالم وثقافة التفاهة لم يعد باستطاعته ذلك.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

1 تعليق
الأكثر تصويتا
أحدث أقدم
Inline Feedbacks
View all comments
Chami
المعلق(ة)
31 يوليو 2023 05:00

لم يعد هناك أي مثقف بمعنى الكلمة بالمغرب بل هناك أشباه المثقفين.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x