لماذا وإلى أين ؟

أولوية الصحة القروية

د.خالد فتحي
بإنشاء الوحدات الصحية المتنقلة ،يكون الملك محمد السادس، قدخطا بالمغرب خطوة نوعية وجبارة ،على طريق تيسير الولوج إلى الخدمات الصحية امام الجميع، وخصوصا لسكان العالم القروي ، ذلك ان الإشراف الشخصي للملك على إطلاق هذا الورش، يدل الدلالة القاطعة على أنه ورش استراتيجي فرعي وحاسم لورشين استراتيجين آخرين رئيسيين ، هما ورش الحماية الاجتماعية وورش إصلاح المنظومة الصحية.هي فكرة أخرى خلاقة لجلالته تنضح عزما وتصميما و إبداعا في سبيل تحقيق هدف الدولة الاجتماعية الذي صار عنوانا ملازما لعهده .

إنه مشروع طموح يضرب عدة عصافير بحجر واحد، متجاوزا عدة تحديات للنظام الصحي في نفس الآن ، ،أولها القفز بواسطة التكنولوجيا على الإكراه الجغرافي من خلال الوصول بالطب الاتصالي أو الطب عن بعد إلى أقصى النقاط المعزولة و النائية جدا من المملكة، وخصوصا التي تعاني وعورة التضاريس وصعوبتها.

وهذا هو المعيارالذي حدد 40 إقليما الأولى التي ستعرف انتشار هذه الوحدات المتنقلة قبل تعميمها على كل الأقاليم، ذاك ان لكل إقليم صحراءه الطبية بشكل أو بآخر . وثاني إكراه تستهدفه الاتفاقية ،هو غياب العدالة الصحية المجالية ،وبالتالي هي تساهم في تصحيح هذا الوضع غير الطبيعي، و تنافح للقطع النهائي، و عمليا على مقولة المغرب النافع والغير النافع، مما يمثل لبنة إضافية في دمقرطة العرض الصحي وتحقيق المساواة الصحية بين الاغنياء والفقراء ، و القرى والمدن ،و المتعلمين وغير المتعلمين . هذه المبادرة نوع من العلاج الفعال كذلك للتلكؤ والتمنع الذي تبديه الأطر الطبية، وخصوصا فئة الاختصاصيين في الاستقرار للعمل بالعالم القروي، بعيدا عن المدن الكبرى سواء لأسباب وجيهة أو غير وجيهة يصعب سردها الآن. .

إن الغاية القصوى في هذا الورش الملكي الجديد هي، أنه عوض أن يذهب المريض للطبيب ، سيأتي هذا الأخير لديه . أي أن الاستشارات الطبية الأخصائية ستصل عبر هذه الوحدات إلى المحرومين منها عن طريق تقنية الطب عن بعد ،حيث يلعب الطبيب العام المسلح رقميا ومعلوماتيا فيها دور حلقة الوصل بين المريض و الطبيب الاختصاصي، فهو من سيؤطر وسيحكم ،ويوجه التواصل بينهما ،فيحيله أكثر فاعلية، وأكثر جدوى ونجاعة .

سيسبق هذه الاستشارات فرز وانتقاء للمرضى من طرف الاطباء العامين في القرى والمراكز الشبه الحضرية،وهذا ينسجم مع الدور المحوري للطبيب العام وطبيب العائلة في المنظومة الصحية التي قيد التنزيل ،وبعد ذلك سيواكب الطاقم الطبي للوحدة هؤلاء المرضى من خلال عرضهم رقميا (أو عن بعد) على الاختصاص المطلوب دون تبديد وقت ولا مشقة سفر ولاضياع مال . مثل هذا التدبير نموذج حكامة في تنفيذ الاستشارات الطبية، وبالتالي هو ترشيد للإنفاق الصحي العام .

على ان أهم ما في المبادرة كونها مشروعا يأتي من خارج الصندوق يترجم استيعابنا لدروس تجربتي كورونا والزلزال ، لأجل التمتع الفعلي للمغاربة قاطبة بالتغطية الصحية التي من المفترض أنها الآن تشملهم جميعا .

فالتغطية الصحية ليست بطاقة انخراط فقط، لانها عندذاك تتحول رسما أو ضريبة ،وإنما هي قدرة على الولوج إلى الخدمة الصحية بأقل تكلفة وأعلى جودة ممكنة و في التوقيت والمكان المناسبين للمنخرط .

هذا بالضبط مايريد الملك بلوغه للمغرب والمغاربة من خلال ورشي إصلاح المنظومة الصحية وتعميم الحماية الاجتماعية، اللذان هما ورشان ديناميكيان، يتعين دائما تطعيمهما بالأفكار الخلاقة، وتقييمهما دون كلل على أرض الواقع باستمرار .

إنها اتفاقية أراد لها الملك أن تقوم على ثلاثة أضلاع تتكامل بينها .ذلك أن الأطراف الموقعة عليها وخصوصا وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ملزمة بالنهوض بهذا الورش وإنجاحه من خلال توفير الموارد البشرية المطلوبة، وتعبئتها، وتحميسها، وتيسير تناوبها إن اقتضى الأمر على تشغيل هاته الوحدات المتنقلة من خلال التركيز على الاستثمار في قيمتين أساسييتين لدى جسم الأطباء والممرضين: قيمة أداء الواجب، و قيمة التطوع والتضحية اللصيقة بمهنتيهما . وكذلك هو الأمر بالنسبة لمؤسسة محمد الخامس للتضامن التي ستيوجب عليها أن تضع خبرتها في العمل الاجتماعي التضامني وتنظيم القوافل الطبية رهن إشارة هذه التجربة الوليدة .

الشركاء الثلاثة اللذين عينهم صاحب الجلالة بكل عناية يجمعون معا كل القيم الضرورية لنجاح التجربة : روح التضامن ،المسؤولية في اداء الواجب المهني ، صرامة ونجاعة القطاع الخاص.

أعتقد أنها فعلا العجنة المثالية لنجاح هذا الورش الواعد الذي تكتمل به قيم العدالة و المساواة والمواطنة.

بقي أن اقول إن الاتفاقية هي أيضا تجلي لصوابية ونجاعة الاستشراف الملكي لالجمع بعد الكورونا بين الصحة الحماية الاجتماعية ضمن قطاع واحد .
وان اقول إنها الوحدات المتنقلة التي أتت في وقتها لتجسيد هذه الفلسفة الاجتماعية ،ولإعطاء مضمون ومعنى للتغطية الصحية بالنسبة للفئات القروية و الفقيرة ،حيث ستوصل لها الى عقر دوارها او جماعتها جانبا من الخدمات الصحية، وستقوم برصد الأمراض المتوطنة إن وجدت ، وحتى تمييز أولئك الذين سيحتاجون لمتابعة دقيقة في المراكز المختصة .

مثل هذه المبادرات ستجعلنا نتعرف على المرضى المنسيين، وستمكن كل إقليم ،وكل جهة ،وكل جماعة قروية من تجميع بيانات كل مرضاها المقصيين الذين هم في مسيس الحاجة للرعاية ، وتقوم فيما بعد بتيسير تطبيبهم وعلاجهم.

إنها لتفتح إذن افاقا جديدة أمام العمل الجماعي ستتكشف تدريجيا للمنتخبين ورجال الادارة المحلية مع بداية الشروع في تطبيق هذه التجربة .
جرى العرف الطبي أن ننظم حملات طبية للقرى لأجل ان تستفيد مثل هذه الفئة من المرضى. لكنها كانت تبقى حملات ظرفية وغير ممؤسسة ومندرجة في إطار العمل التضامني.الآن،و بالسياسة الصحية الجديدة ، تستحيل هذه الوحدات المتنقلة كما لو كانت حملات طبية دائمة تذرع يوميا كل أنحاء البادية المغربية ، وفوق هذا، هي وحدات ممؤسسة ونظامية،كما أنها ستعد من الآن فصاعدا حقا لذاك المواطن الذي كان مبعدا عن المنظومة الصحية بسبب وضعه المالي أو الجغرافي أو الثقافي .

هذه هي الفوائد الجليلة التي سنجنيها يوما بعد يوم . والتي ستبدأ ثمارها بالظهور بوضوح بحر السنة المقبلة . فهذه الوحدات المتنقلة ليست إلا مقدمة وتمهيدا لأعمال وأفكار أخرى ستكون أنجع وأجل، إذ رغم كل مايتحقق حاليا ، لسنا إلا في مستهل موسم الحرث فقط .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x