لماذا وإلى أين ؟

دراسة تكشف حصيلة 45 عاما من صيد الاتحاد الأوروبي في مياه المغرب ودول الجنوب

نشرت مجلة “Nature” دراسة حديثة تناولت حصيلة 45 عاما من اتفاقيات الصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي ودول الجنوب، مبرزة المكانة الخاصة التي يحتلها المغرب داخل هذه الشبكة من الاتفاقيات، سواء من حيث حجم الدعم المالي أو الأبعاد الاقتصادية والبيئية والسياسية المصاحبة لها.

تشير الدراسة إلى أن المغرب يعد من أكبر المستفيدين من الدعم الأوروبي المخصص لاتفاقيات الصيد، إلى جانب موريتانيا فقد استحوذ البلدان معًا على ما يعادل 73.3% من إجمالي التمويلات المرصودة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، وهو ما يعكس، حسب التقرير، “الأهمية الاستراتيجية للمياه المغربية في السياسة البحرية الأوروبية”.

وبشكل منفرد، حصل المغرب على 32.4% من إجمالي الدعم الأوروبي الموجه لاتفاقيات الصيد خلال هذه الفترة.

وترى الدراسة أن هذا الرقم “يبرز حجم الاستثمارات الأوروبية في القطاع البحري المغربي”، كما سجل المغرب أعلى كثافة للدعم المالي بواقع 2.83 يورو لكل وحدة حمولة إجمالية، وهو أعلى معدل بين جميع الدول الشريكة للاتحاد الأوروبي.

ويُوجه هذا الدعم، وفق التقرير، أساسا نحو صيد الأسماك السطحية الصغيرة، مثل السردين والأسقمري والأنشوبة، وهي أنواع توصف بأنها “أساسية في السلسلة الغذائية البحرية”، ما يمنحها أهمية اقتصادية وبيئية في آن واحد.

على مستوى الأساطيل، تكشف الدراسة أن السفن الإسبانية تهيمن على نشاط الصيد داخل المياه المغربية، خاصة في ما يتعلق بالأسماك السطحية الصغيرة، وتستخدم هذه السفن تقنيات متطورة، من بينها “الشباك السطحية الكيسية”، التي تتيح صيد كميات كبيرة في وقت قصير.

غير أن طبيعة هذه الاتفاقيات عرفت تحولات واضحة مع مرور الوقت، ففي منتصف التسعينات، وتحديدا بين 1995 و1996، شملت الاتفاقيات نحو 514 سفينة تستهدف الأصناف القاعية مثل الرخويات والجمبري، مقابل تعويضات مالية بلغت حوالي 127 مليون يورو سنويا، أما في عام 2023، فانخفض الدعم إلى 42.4 مليون يورو، وتراجع عدد السفن القاعية إلى 61 سفينة، في مقابل ارتفاع حصص صيد الأسماك السطحية الصغيرة إلى 185 ألف طن.

وتعتبر الدراسة أن هذا التطور يعكس “تحولا في استراتيجية الاتحاد الأوروبي نحو التركيز على الأسماك السطحية الصغيرة بدل الأصناف القاعية”.

 ويثير هذا التوجه، بحسب التقرير، تساؤلات جدية حول استدامة الموارد البحرية، ويضع المغرب أمام تحدي الحفاظ على توازن بيئي طويل الأمد، في ظل التغيرات المناخية والضغط المتزايد على النظم الساحلية.

وتخلص الدراسة إلى أن اتفاقيات الصيد لا تقتصر على تبادل فرص الصيد مقابل عائدات مالية، بل أنتجت “شبكة معقدة من الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والسياسية”، فبعد 45 عاما، بات واضحا أنها تمثل “نماذج رمزية لصراعات أوسع حول السيادة والعدالة والاستدامة”، بما في ذلك داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.

وفي هذا السياق، توضح الدراسة أن تفعيل “نظرية الوصول” يُبرز دور هذه الاتفاقيات كآلية محورية لضمان وصول أساطيل الاتحاد الأوروبي إلى مناطق الصيد، فقد وفرت استقرارا نسبيا لشروط الوصول، في حين شكلت التغيرات في المعدات، واستراتيجيات الأعمال، ومستويات الدعم المالي مسارها التاريخي.

وتكشف الدراسة عن توترات مستمرة بين “المكاسب الاقتصادية الفورية، وقيمة المال المدفوع، والجدوى طويلة الأمد للموارد البحرية”، إضافة إلى التوازن الحساس بين سبل عيش المجتمعات المحلية والمصالح الصناعية العالمية.

وتتوقع خلاصات التقرير أن يواصل الاتحاد الأوروبي دعم، وربما توسيع، شبكة اتفاقياته، مع تركيز متزايد على الأسماك الكبيرة، التي توصف بأنها “القطاع الأخير الذي بقي نسبيًا دون تغيير”، غير أن تصاعد التوترات حول الوصول إلى هذه الموارد، كما في المحيط الهندي، ينذر بتعقيد أكبر في المستقبل.

ويواجه الاتحاد الأوروبي، وفق خلاصات الدراسة، ما تسميه “وضع كاث 22”، إذ قد يجد نفسه مضطرا للاختيار بين الاستمرار في دعم أساطيله الصناعية داخل المناطق الاقتصادية الخالصة للدول الثالثة، بما يفاقم الاستياء المحلي، أو الانخراط في ترتيبات تعاونية أكثر عدالة، ويعني هذا الخيار الأخير، وفق التقرير، “توزيعا أكثر إنصافا للفوائد، ودعم المجتمعات الساحلية، وإعطاء أولوية للصيادين الحرفيين”، ولو بكلفة مالية ونموذج اقتصادي مختلف.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x