2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في مدرجات كرة القدم، لا يقتصر التشجيع دائما على الهتاف والأعلام والألوان، بل قد يتحول أحيانا إلى خطاب سياسي، رغم الرفض الذي تواجهه المنظمات الرسمية لكرة القدم والعقوبات التي تطال الأندية والمنتخبات في الكثير من الحالات بسبب ذلك. يتم اختزال الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية والانحيازات السياسية في مواقف وتعبيرات يكون لها وقع كبير وحضور لافت للانتباه.
من بين أبرز هذه الحالات، والتي لفتت الانتباه بشكل كبير خلال “كان المغرب”، برز المشجع الكونغولي ميشيل كوكا مبولادينغا الذي اشتهر خلال مباريات منتخب الكونغو الديمقراطية بتقمصه شخصية الزعيم التاريخي باتريس لومومبا. وقف الرجل في المدرجات جامدا، بلا حركة، رافعا ذراعه على طريقة تماثيل لومومبا، ليحول جسده إلى رمز صامت يستحضر تاريخ الاستعمار والنضال والاستقلال، في مشهد تجاوز كرة القدم إلى الفضاء السياسي والثقافي.
لم يكن حضور هذا المشجع مجرد لقطة طريفة أو استعراض فردي، بل أصبح فعلا دلاليا التقطته الكاميرات وتداولته الجماهير بوصفه تعبيرا عن وعي سياسي داخل الملاعب.
على شاكلة “لومومبا”، عرف عالم كرة القدم مشجعون وجماهير استخدموا المدرجات منصة للتعبير عن قضايا سياسية، قومية أو اجتماعية، مؤكّدين أن كرة القدم ليست مجرد لعبة معزولة عن واقع الشعوب وصراعاتها، ومنبهين إلى أن المدرجات، في كثير من الأحيان، تتحول إلى مساحة احتجاج رمزي، حيث تختلط الرياضة بالسياسة، والهتاف بالذاكرة، والانتماء الكروي بالموقف الأيديولوجي.
جوان كاسالس “جد البرسا”
في مدرجات كامب نو، لم يكن جوان كاسالس، المعروف بـ “جد البرسا”، مجرد مشجع يلوح بالعلم أو يهتف عند الأهداف، بل تحول إلى رمز سياسي وثقافي اختصر علاقة برشلونة بالهوية الكتالونية. حضوره الدائم في المدرجات جعل منه وجها مألوفا، لكن صوته ومواقفه هما ما منحاه تلك المكانة الخاصة، حيث كان التشجيع عنده فعلا سياسيا بقدر ما هو رياضي.

كاسالس مثل جيلا من المشجعين الذين رأوا في نادي برشلونة أكثر من مجرد نادي، ومساحة للتعبير عن رفض التهميش والدفاع عن اللغة والثقافة الكتالونية في فترات كان فيها التعبير السياسي محاصرا أو مراقبا. تحولت المدرجات إلى منبر مفتوح، وكان هو أحد أبرز من استثمر هذا الفضاء، رافعا الشعارات ومرددا الهتافات التي تتجاوز نتيجة المباراة.
في حضوره، كانت المدرجات تشبه ساحة عامة؛ الأعلام الكتالونية والهتافات ذات الحمولة السياسية والربط الدائم بين الانتصار الرياضي والكرامة الجماعية. لم يكن كاسالس قائدا رسميا، لكنه لعب دور “الضمير الجمعي” للمشجعين، مذكّرا إياهم بأن برشلونة ليس ناديا عاديا، بل تعبير عن قضية وهوية.
على شاكلة شخصيات جماهيرية مثل “لومومبا” في مدرجات أخرى، جسد جوان كاسالس فكرة أن المشجع يمكن أن يكون فاعلا سياسيا، وأن الكرة قد تصبح لغة احتجاج ومقاومة. بقي اسمه، رغم موته سنة 2014، حاضرا في الذاكرة، لا كمتفرج عابر، بل كجزء من تاريخ المدرجات التي صنعت معنى “أكثر من ناد”.
جماهير سيلتيك والدعم للقضية الفلسطينية
في مدرجات سيلتيك بارك، لم تكن جماهير نادي سيلتيك الاسكتلندي يوما مجرد كتلة تهتف للفريق، بل شكلت وعيها الجمعي على خلفية سياسية وثقافية واضحة. منذ تأسيس النادي المرتبط بالجالية الأيرلندية الكاثوليكية في غلاسكو، تحولت المدرجات إلى مساحة تعبير عن هوية مهمشة تاريخيا، وجسر يربط كرة القدم بالانتماء القومي والاجتماعي.
اشتهرت جماهير سيلتيك بمواقفها السياسية الجريئة، خصوصا دعمها العلني للقضية الفلسطينية، في تحد مباشر للاتحاد الأوروبي لكرة القدم والعقوبات المحتملة. رفع الأعلام الفلسطينية لم يكن فعلا تضامنيا عابرا، بل موقفا مبدئيا يتكرر في مناسبات عديدة، ما جعل مدرجات سيلتيك واحدة من أكثر المدرجات تسييسا في أوروبا.

سياسيا، تحمل جماهير سيلتيك إرثا أيرلنديا جمهوريا واضحا، يظهر في الأغاني والشعارات التي تستحضر تاريخ الصراع في أيرلندا الشمالية. هذا الحضور لم يكن استفزازيا بقدر ما كان تأكيدا على الذاكرة الجماعية، وعلى أن النادي ولد أصلا كملاذ للفقراء والمهمشين، لا كمشروع رياضي محض.
لقد صنعت جماهير سيلتيك نموذجا للمشجع الفاعل، الذي يرى في المدرج منبرا أخلاقيا قبل أن يكون فضاء للفرجة، ليصبح النادي أكثر من مجرد ناد، وأصبحت جماهيره جزءا من خطاب عالمي يربط كرة القدم بالعدالة والهوية والموقف.
جمهور هامبورغ: يسار راديكالي ضد الفاشية والعنصرية
في مدرجات ملعب ميلرنتور، لم يكن مشجعو سانت باولي مجرد داعمين لفريق كرة قدم مغمور في هامبورغ، بل شكلوا ظاهرة سياسية واجتماعية فريدة في أوروبا. منذ ثمانينيات القرن الماضي، ارتبطت هوية الجماهير باليسار الراديكالي والحركات المناهضة للفاشية والعنصرية، حتى بات النادي يعرف عالميا بمدرجاته قبل نتائجه.
لقد جعل مشجعو سانت باولي من المدرج مساحة مقاومة رمزية، حيث تنتشر أعلام الجمجمة والعظمتين، وشعارات معاداة الرأسمالية، والهتافات الداعمة للمهاجرين والطبقات المهمشة، كل ذلك يحدث في مدينة شهدت صعود التيارات اليمينية، ليتحول النادي إلى ملاذ ثقافي وسياسي يعكس روح حي سانت باولي المعروف بتاريخه البديل والمتمرد.

سياسيا، لا تخفي جماهير سانت باولي انتماءها اليساري الجذري، بل تعلنه بوصفه جزءا من هوية النادي، ولا تخفي أيضا المواقف المناهضة للنازية الجديدة والداعمة لحقوق المرأة والمثليين، لتجعل المدرجات أقرب إلى تظاهرة دائمة، حيث تمارس السياسة بصيغة جماعية تتجاوز الانقسامات الكروية التقليدية.
جماهير ليفورنو الإيطالية
تشتهر جماهير نادي ليفورنو الإيطالي بحماسها الكبير، لكنها أكثر شهرة بمواقفها السياسية، فغالبية المشجعين يميلون للفكر الشيوعي واليساري، ما يجعل المدرجات لديهم مساحة للتعبير عن الأفكار والمبادئ.
أحد أبرز رموز جماهير ليفورنو هو صورة الثوري الأرجنتيني تشي غيفارا، حيث يعكس رفع هذه الصورة في كل مباراة تمسكهم بالقيم مثل العدالة الاجتماعية والمقاومة ضد الظلم.
الميول الشيوعية للجماهير تمنح ليفورنو هوية فريدة بين الأندية الإيطالية. المباريات هناك لا تختصر بكرة القدم، بل تتحول إلى فضاء سياسي وثقافي يظهر مبادئ الجماهير بوضوح.

وتذكرنا جماهير ليفورنو بأن كرة القدم يمكن أن تكون أكثر من لعبة. رفع صور تشي غيفارا يعكس شغفهم وميولهم الفكرية، ويجعل حضورهم في المدرجات تجربة سياسية وثقافية متكاملة.
كل المظاهر التعبيرية الثقافية والدينية والرياضية لم تكن يوما بعيدة عن السياسة، وهذه المظاهر هي سيف دو حدين، يمكن استعماله في هذا الاتجاه اوذاك، ولم يخلو الكان من بعض التعبيرات المتاترة بالمواقف السياسية على اختلاف السياقات واختلاف الفرق المنافسة، كما عرفت التشجيعات مواقف متقلبة بسبب التفاعلات والتصريحات التي صدرت على مواقع التواصل الاجتماعي.