2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
هكذا احتفل المغاربة بالسنة الأمازيغية الجديدة 2976 ( صور+فيدويهات)
يحيي المغاربة اليوم الأربعاء 14 يناير 2026، رأس السنة الأمازيغية الجديدة (إيض ن يناير)، التي تبلغ تقويميا عامها 2976.
وتأتي احتفالات ”أسكاس أمباركي” في سياق مؤسساتي خاص، بعد دخول القرار الملكي القاضي بإقرار هذا اليوم عطلة رسمية وطنية مؤدى عنها حيز التنفيذ للسنة الثالثة على التوالي.
وتشكل المناسبة محطة سنوية لاستعراض الموروث الثقافي والهوياتي للأمازيغ، حيث تتنوع مظاهر الاحتفاء بين ما هو منزلي مرتبط بالتقاليد الغذائية، وما هو جمعوي وفني يهدف إلى صيانة الذاكرة الجماعية والتعريف بجذور التقويم الأمازيغي.
تعتبر الوجبات التقليدية الركيزة الأساسية للاحتفال داخل البيوت، حيث تحرص العائلات في مناطق سوس والأطلس والريف على تحضير أطباق ترمز للارتباط بالأرض.
ويعد طبق “تاكلا” (العصيدة) القاسم المشترك الأكبر، وهو طبق يحضر من دقيق الشعير أو الذرة ويقدم مع السمن والعسل أو زيت الأركان.

ومن الناحية السوسيولوجية، يتضمن تناول هذا الطبق طقسا يتمثل في إخفاء نواة تمر (أغرمي) وسط الوجبة، حيث يتحدد من خلالها “محظوظ السنة” الذي توكل إليه رمزيا مهمة الإشراف على مخازن الحبوب.
وفي مناطق أخرى، يتم تحضير طبق “أوركيمن” الذي يعتمد على خلط سبعة أنواع من الخضر، وهي وجبة ترمز إلى طلب الوفرة الفلاحية وتنوع المحاصيل في السنة الجديدة.

تنتقل الاحتفالات من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام عبر تنظيم سهرات فنية تعتمد على الفنون الجماعية مثل “أحواش” و”أحيدوس”.
وتتميز الرقصات بنظام هندسي دقيق يعكس التماسك الاجتماعي للقبيلة، حيث يرتدي المشاركون أزياء تقليدية خاصة بهذه المناسبة؛ فيرتدي الرجال “الجلباب” و”البلغة” والعمامة البيضاء، بينما تلبس النساء الحلي الفضية والملابس المطرزة التي تختلف خصائصها من منطقة لأخرى.
تساهم هذه العروض الفنية في نقل الموروث اللامادي للأجيال الصاعدة، كما تشكل فرصة للشعراء الأمازيغ (إنشادن) لإلقاء قصائد تتناول قضايا الأرض، والمجتمع، والتاريخ الأمازيغي العريق الذي يرجع بدايته إلى انتصار الملك “شيشناق” واعتلائه عرش مصر القديمة.

يرتبط التقويم الأمازيغي بشكل عضوي بالدورة الفلاحية، ولذلك يطلق عليه في العديد من المناطق اسم “السنة الفلاحية”. ويقوم المزارعون في هذا اليوم بمجموعة من السلوكات الرمزية التي تستهدف استبشار الخير بالموسم الجديد، مثل تقليب التربة أو زيارة الحقول وتوزيع الفواكه الجافة (ثيغواوين) على الأطفال والجيران.
كما تشمل الطقوس المنزلية تنظيف المداخن وتغيير أحجار المواقد التقليدية، في إشارة إلى إنهاء دورة زمنية وبدء أخرى جديدة.
وتعتبر هذه الممارسات جزءا من “ثقافة التدبير” التي ميزت الإنسان الأمازيغي، حيث يتم جرد المخزون الغذائي والاحتفاء بما جادت به الأرض خلال السنة المنصرمة وتمني هطول الأمطار في السنة المقبلة.
تشهد المدن المغربية الكبرى، مثل أكادير والناظور والرباط، دينامية ثقافية مكثفة تنظمها هيئات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية بمناسبة 14 يناير.
وتتمثل هذه الأنشطة في تنظيم ندوات فكرية تبحث في سبل تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، ومعارض للكتاب الأمازيغي، والمنتجات اليدوية كـ “الزربية” والفخار.

وتهدف هذه التظاهرات إلى تقديم قراءة علمية وموضوعية للتاريخ الأمازيغي بعيدا عن الصور النمطية، كما تسلط الضوء على القوانين التنظيمية المتعلقة بإدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والقضاء، مما يجعل من رأس السنة الأمازيغية محطة سنوية لتقييم السياسات العمومية المرتبطة بالهوية والتعددية الثقافية.
يمثل إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية مؤدى عنها نقطة تحول في تاريخ المغرب المعاصر، حيث انتقل الاحتفال من نطاق جغرافي محدد إلى عيد وطني شامل يتقاسمه جميع المغاربة.

وساهم هذا الاعتراف في تعزيز التلاحم الاجتماعي وتكريس التعدد اللغوي والثقافي كرافد أساسي للوحدة الوطنية.
واليوم، لم يعد الاحتفال بـ “إيض يناير” مقتصرا على الأمازيغ لسانا، بل انخرطت فيه كافة مكونات المجتمع المغربي والمؤسسات التعليمية والإعلامية، مما يعكس نضج التجربة المغربية في تدبير التنوع الثقافي، ويجعل من السنة الأمازيغية رمزا للاستمرارية التاريخية والسيادة الثقافية للمملكة.