2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب”.. ”النبي” الذي أسقط اسم الرسول من الأذان (ح7)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة7: عاصم بن جميل
في تاريخ المغرب الكبير، غالبا ما تكتب سير العظماء بأقلام خصومهم، ولعل عاصم بن جميل الورفجومي أكثر من تعرض لـ “اغتيال معنوي” في بطون الكتب، حيث وصف بالكاهن ومدعي النبوة لمجرد أنه تجرأ على الحلم بوطن لا يستجدي شرعيته من المشرق.
ولد عاصم في أحضان قبيلة “نفزة” الأمازيغية، ولم يكن خروجه عام 138 هـ مجرد “فتنة” كما تروج المصادر، بل كان صرخة انبعاث لهوية قمعت طويلا تحت وطأة ما يمكن أن يوصف اليوم بـ ”الإدارة المركزية”.
يعتبر عاصم بن جميل من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ المغرب الإسلامي خلال القرن الثاني الهجري، حيث شكل ظهوره تقاطعا معقدا بين النزعات الاستقلالية للأمازيغ وبين الانقسامات المذهبية والسياسية التي عصفت بالخلافة الأموية ثم العباسية في إفريقية.
ولد عاصم بن جميل الورفجومي النفزي في بلاد المغرب، وتحديدا في أوساط قبيلة ورفجومة، إحدى بطون نفزاوة البتر، ولم تذكر المصادر التاريخية تاريخا دقيقا لميلاده، إلا أن بزوغ نجمه كان مرتبط بالاضطرابات التي تلت مقتل عبد الرحمن بن حبيب الفهري والصراع المرير بين أبنائه وإخوته.
يصفه المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” بأنه كان كاهنا ادعى النبوة، وهي تهمة غالبا ما كانت تلتصق بالزعماء الذين حاولوا صياغة كيانات دينية وسياسية متميزة عن المشرق، حيث استغل عاصم بن جميل نفوذه القبلي وانتماءه لمذهب الصفرية من الخوارج لحشد الأنصار حول دعوته الجديدة التي شملت تغييرات جذرية في العبادات، منها الزيادة في الصلاة وإسقاط ذكر النبي محمد ﷺ من الأذان، في محاولة لقطع الصلة الروحية والسياسية مع الخلافة في بغداد.
بدأت الرحلة السياسية والعسكرية لعاصم حين لجأ إليه عبد الوارث بن حبيب الفهري هاربا من بطش ابن أخيه حبيب بن عبد الرحمن، فكان عاصم الملاذ والدرع الذي تحطمت عليه طموحات حبيب في البداية.
يشير ابن عذاري المراكشي في كتابه “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب” إلى أن عاصم تمكن من هزيمة حبيب في عدة مواجهات، ومكنه ذلك من بسط سيطرته على مناطق واسعة مستفيدا من تحالفه مع رجالات نفزاوة مثل عبد الملك بن أبي الجعد الورفجومي. بل إن دهاءه السياسي جعله يظهر في البداية بمظهر الموالي للخليفة العباسي المنصور، مما دفع بعض أعيان القيروان الغاضبين من حكم الفهريين إلى مراسلته ودعوته لدخول المدينة، ظنا منهم أنه سيحفظ لهم العهد ويدعو للمنصور، لكن الواقع كان مغايرا تماما لتوقعاتهم.
وأوضحت المسارات العسكرية لهذا القائد أنه لم يكن يطلب دما، بل كان يطلب اعترافا؛ فدخول القيروان لم يكن استباحة بقدر ما كان “تحريرا” لمركز السلطة من قبضة الفهريين الذين تداولوا الحكم كإرث عائلي.
وذكر ابن العذاري المراكشي في مؤلفه“البيان المغرب” أن عاصم بن جميل استطاع بعبقريته التنظيمية أن يوحد قبائل “ورفجومة” ونفزاوة تحت راية واحدة، محولا إياهم من مجموعات مشتتة إلى قوة سياسية ودينية مهابة الجانب. بينما أورد ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” تفاصيل مقتله في جبال أوراس سنة 140 هـ، رافضا الاستسلام.