لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح12): حورية بنيس سيناصر.. الفيلسوفة المغربية التي جمعت بين البرهان الرياضي والتأمل الفلسفي

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، الفيلسوفة المغربية حورية بنيس سيناصر، الباحثة التي استطاعت الجمع بين مناهج المنطق والبرهان الرياضي، وبين مناهج التأمل والتفكير الفلسفي.

حورية بنيس سيناصر.. الفيلسوقة التي جمعت بين عالم البرهان الرياضي والتأمل الفلسفي

وُلدت حورية بنيس سيناصر عام 1940 في الدار البيضاء بالمغرب،  ربطتها طفولتها علاقة وطيدة مع مدينة فاس العريقة، إذ بعد إتمام دراستها الابتدائية والثانوية في مسقط رأسها، مكنها حصولها على جائزة في عام 1958 في مادة الإنشاء الفرنسي من الالتحاق بالأقسام التحضيرية الأدبية في ثانوية فينيلون بباريس.

شقت الباحثة حورية بنيس سيناصر طريقها داخل أبرز المؤسسات العلمية في فرنسا والمغرب. انطلقت من تدريس المنطق في المركز الجامعي التجريبي بفانسين، قبل أن تنتقل إلى التدريس والبحث في جامعة باريس 1 بانتيون ‑ سوربون، حيث أسهمت في تكوين أجيال من الطلبة عند تقاطع الفلسفة والرياضيات.

لاحقا التحقت بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) باحثة ثم مديرة للأبحاث في مجال تاريخ وفلسفة العلوم، لتصبح من الأسماء المؤثرة في دراسة المنطق وفلسفة الرياضيات.

ولم تنفصل تجربتها عن الفضاء الأكاديمي المغربي، إذ درست وبحثت في جامعة محمد الخامس بالرباط والمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، كما حظيت بحضور دولي من خلال مهام بحثية وتدريسية زائرة في مؤسسات علمية مرموقة، ما كرس صورتها كجسر معرفي بين تقاليد البحث الأوروبية وأسئلة الفكر العربي المعاصر.

تبرز الباحثة المغربية حورية بنيس سيناصر كصوت مختلف جمع بين صرامة الرياضيات وعمق الفلسفة، مسارها العلمي لم يكن مجرد رحلة أكاديمية عادية، بل كان بحثا متواصلا عن المعنى الكامن خلف الأرقام، وعن الروابط الخفية التي تربط التفكير الرياضي بأسئلة الوجود والمعرفة، من قاعات الدراسة العليا في فرنسا إلى مراكز البحث العلمي المتقدمة، شقت طريقها بثبات داخل مجالين يُنظر إليهما غالبا كعالمين منفصلين: عالم البرهان الصارم وعالم التأمل الفلسفي.

اختارت الباحثة أن تجعل من فلسفة الرياضيات محورًا لعملها، لا بوصفها تأملًا تجريديًا فحسب، بل باعتبارها مدخلًا لفهم طبيعة الفكر العلمي نفسه. انشغلت بتحليل مفاهيم أساسية مثل التجريد واللامتناهي والدلالة في اللغة الرياضية، محاولةً كشف ما تختزنه الصيغ الرمزية من رؤى فكرية عميقة.

بالنسبة لحورية لم تكن الرياضيات مجرد أدوات للحساب، بل لغة فكرية قادرة على صياغة تصور شامل للعالم، حيث يتقاطع المنطق مع الفلسفة، ويصبح التفكير العلمي جزءًا من مشروع إنساني أوسع.

كما أولت اهتمامًا خاصًا بتاريخ العلوم، معتبرة أن فهم تطور الأفكار العلمية شرط أساسي لفهم حاضرها، اشتغلت على تحليل أعمال كبار علماء الرياضيات والمنطق، وسعت إلى تقريب هذا التراث المعرفي من القارئ العربي عبر الشرح والتفسير. في هذا الجهد يظهر بوضوح وعيها بأهمية الوساطة الثقافية، فهي لا تنقل المعرفة فحسب، بل تعيد بناءها داخل أفق فكري يسمح بتفاعلها مع أسئلة الفكر العربي المعاصر.

ويبرز في مسارها بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في حضورها داخل النقاشات المرتبطة بمكانة المرأة في المعرفة العلمية. تقدم تجربتها نموذجا لامرأة اقتحمت مجالا شديد الذكورية تاريخيا، وأثبتت أن الإبداع العلمي لا يرتبط بجنس أو ثقافة بعينها، بل بقدرة العقل على طرح الأسئلة الجذرية.

من هذا المنظور، تتحول سيرتها إلى شهادة حية على إمكان تجاوز الحدود التقليدية التي تفصل بين التخصصات، وبين المراكز والهامش في إنتاج المعرفة.

إن تجربة حورية بنيس سيناصر تكشف أن العلم لا يعيش منعزلا عن الفلسفة، وأن التفكير الرياضي ليس مجرد تقنية ذهنية، بل أفق للتأمل في طبيعة الحقيقة نفسها. وبين معادلة دقيقة وسؤال فلسفي مفتوح، يتشكل مشروعها الفكري كجسر بين عالمين، يذكرنا بأن المعرفة في جوهرها حوار دائم بين العقل والواقع، وبين التجريد والتجربة الإنسانية.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x