2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
ما تأثير تشريع بروسكيل الجديد على العلاقات التجارية بين المغرب والدول الأوروبية؟ (الفينة يُجيب)
كشفت المفوضية الأوروبية عن مقترح تشريعي جديد تحت مسمى “قانون تسريع الصناعة”، يهدف إلى تسريع إعادة تصنيع القارة العجوز وحماية قدرتها التنافسية وسيادتها الاقتصادية في مواجهة المنافسة الدولية والسياسات الصناعية العدوانية للقوى الكبرى.
ويطمح القانون الجديد، الصادر أمس الأربعاء 04 مارس الجاري عن المفوضية، إلى رفع حصة الصناعة لتصل إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي بحلول سنة 2035، مقارنة بنسبة 14% المسجلة حاليا.
ويتضمن المشروع كذلك مبدأ غير مسبوق يتمثل في “الأفضلية الأوروبية”، حيث يتعين على السلطات إعطاء الأولوية للمنتجات والمكونات المصنعة في أوروبا عند استخدام الأموال العامة في المشتريات أو الإعانات المباشرة.
وينص القانون على نسب دنيا للمكونات الأوروبية في برامج المساعدة، مثل اشتراط 25% من الصلب أو الألمنيوم و5% من الإسمنت الأوروبي بحلول سنة 2030 في بعض المناقصات، كما يستهدف عناصر تكنولوجية دقيقة كخلايا البطاريات وعواكس أنظمة الطاقة الشمسية لضمان توطين سلاسل القيمة.
كما تسعى بروكسل لتعزيز تقنيات الطاقة النظيفة مثل طاقة الرياح والمحللات الكهربائية للهيدروجين، وذلك لتفادي خسارة القيمة الصناعية الناتجة عن التحول الطاقي لصالح قوى خارجية، لاسيما في آسيا.
بموجب القواعد الجديدة، وفق النص التشريعي، ستكون السلطات المحلية الأوربية ملزمة بتفضيل المنتجات والمكونات “المصنوعة في أوروبا” عند إرساء المناقصات الحكومية أو تقديم الإعانات.
أي تأثير على مبدأ “الأفضلية الأوروبية” على العلاقات التجارية المغربية الأوروبية؟ ثم ما مصير اتفاقية التبادل الحر و اتفاقية قواعد المنشأ التفضيلية الأورومتوسطية ”PEM” في ظل مساعي بروكسيل الجديدة؟
في السياق، يرى إدريس الفينة، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافية، أن هذا المقترح التشريعي الذي قدمته المفوضية الأوروبية يندرج في سياق تحول استراتيجي أوسع داخل الاتحاد الأوروبي نحو ما يسمى إعادة التموقع الصناعي أو ”re-shoring”، أي إعادة جزء من الإنتاج الصناعي إلى داخل الحدود الأوروبية بهدف تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية، خصوصا بعد الأزمات المتتالية التي شهدها العالم منذ جائحة كوفيد-19 مروراً بالحرب في أوكرانيا وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية الحالية.
ويهدف ما يسمى بـ “الأفضلية الأوروبية”، وفق الفينة متحدثا لجريدة ”آشكاين” أساسا إلى حماية الصناعات الاستراتيجية الأوروبية وتعزيز قدرتها التنافسية في مواجهة المنافسة الدولية، خاصة من الصين والولايات المتحدة التي اعتمدت بدورها سياسات صناعية حمائية.
لكن بالنسبة للمغرب، يشرح الخبير ذاته، لا ينبغي تفسير هذا التوجه بالضرورة كتهديد مباشر للعلاقات التجارية المغربية-الأوروبية، لافتا إلى أن المغرب يُعد ”شريكا اقتصاديا مميزا للاتحاد الأوروبي، ويستفيد من وضع متقدم داخل سياسة الجوار الأوروبية”.
وشدد الأستاذ الجامعي في علوم الاقتصاد عينه على أن العديد من سلاسل القيمة الصناعية الأوروبية — خصوصاً في قطاعات السيارات والطيران والنسيج — أصبحت اليوم مترابطة بشكل عميق مع القاعدة الصناعية المغربية.
بمعنى آخر، يقول الفينة دائما، المغرب يُنظر إليه في بروكسيل ليس كمنافس صناعي، بل كامتداد قريب للسلسلة الإنتاجية الأوروبية فيما يسمى اليوم بـ “near-shoring”، أي نقل جزء من الإنتاج إلى دول قريبة جغرافياً ومرتبطة اقتصادياً بالاتحاد الأوروبي.
أما فيما يتعلق باتفاقية التبادل الحر بين المغرب والاتحاد الأوروبي، فمن غير المتوقع ، بحسب ذات الخبير، أن يتم التشكيك في أساسها القانوني، لأنها تشكل أحد أعمدة الشراكة الاقتصادية بين الطرفين منذ أكثر من عقدين. لكن ما قد يحدث هو إعادة توجيه تطبيقها في بعض القطاعات الاستراتيجية بما يتماشى مع السياسات الصناعية الأوروبية الجديدة.
وقال إن اتفاقية PEM (Pan-Euro-Mediterranean) فهي في الواقع قد تكتسب أهمية أكبر في المرحلة المقبلة، لأنها تسمح بتكامل سلاسل الإنتاج بين أوروبا ودول جنوب المتوسط عبر قواعد المنشأ التراكمية. وهذا النوع من الآليات قد يصبح أكثر أهمية مع توجه أوروبا نحو إعادة تنظيم سلاسل التوريد الإقليمية.
وخلص الفينة إلى أن التحدي الحقيقي للمغرب ليس في بقاء الاتفاقيات أو زوالها، بل في قدرته على الاندماج بشكل أعمق في سلاسل القيمة الصناعية الأوروبية والاستفادة من التحولات الجارية عبر جذب مزيد من الاستثمارات الصناعية المرتبطة بالسوق الأوروبية.
وفي حال تمكن المغرب من تعزيز موقعه الصناعي واللوجستيكي، فقد تتحول هذه التحولات الأوروبية من مصدر قلق إلى فرصة استراتيجية لتعزيز دوره كشريك صناعي رئيسي للاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط. وفق الفينة دائما.