2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
في شتاء عام 1862، كانت الحرب الأهلية الأمريكية تمزق الولايات المتحدة إلى معسكرين متصارعين. المدافع تدوي في أراضي تينيسي وفرجينيا، والسفن الحربية تتواجه في سواحل الأطلسي، لكن صدى ذلك الصراع لم يتوقف عند حدود القارة الأمريكية. على الضفة الأخرى من المحيط، في مدينة طنجة، كانت قصة أخرى تتشكل في صمت، قصة بطلها رجل لم يكن يعرف الكثير عن الدبلوماسية، لكنه وجد نفسه فجأة في قلب أزمة دولية كادت تشعل توتراً بين قوى كبرى.
كان القنصل الأمريكي جايمس دي لونج قد وصل إلى طنجة حديثاً. الرجل القادم من ولاية أوهايو، والذي عمل سابقاً قاضياً، لم يكن قد غادر الولايات المتحدة من قبل. وحين وطئت قدماه أرض المغرب، وجد نفسه في مدينة تختلف عن كل ما عرفه. كانت طنجة آنذاك ميناءً يعج بالتجار الأوروبيين والقناصل الأجانب والجواسيس والدبلوماسيين، مدينة تختلط فيها اللغات والمصالح والنفوذ. ومع ذلك، كان دي لونج يحمل معه هدفاً واضحاً: الدفاع عن الاتحاد الأمريكي ومواجهة أنصار الكونفدرالية أينما وجدوا.
لم تمض سوى أسابيع قليلة على وصوله حتى وصلته أخبار قد تغير مسار مهمته. فقد علم أن اثنين من المتعاطفين مع الكونفدرالية وصلا إلى طنجة قادمين من جبل طارق على متن سفينة فرنسية. كان أحدهما هنري مايرز، المسؤول المالي في السفينة الكونفدرالية الشهيرة “سمتر”، أما الثاني فهو توماس تنستال، دبلوماسي أمريكي سابق في قادس بإسبانيا عُرف بتأييده الصريح للجنوب المتمرد. بالنسبة لدي لونج، لم يكن الأمر مجرد خبر عابر؛ بل فرصة نادرة لإيقاف شخصين يعتبرهما خائنين لبلده.

اعتقال يشعل مدينة طنجة
تحرك القنصل الأمريكي بسرعة غير متوقعة. استأجر مجموعة من الجنود المغاربة بطنجة، وأمر باعتقال الرجلين فور وصولهما إلى المدينة. تم اقتيادهما مكبلين إلى مقر القنصلية الأمريكية في طنجة، وهو مبنى فخم كان السلطان المغربي قد أهداه للولايات المتحدة قبل عقود وتحول لمتحف أمريكي اليوم. هناك، وُضعا في الحجز بانتظار ما سيحدث لاحقاً.
لكن ما بدا في البداية خطوة جريئة سرعان ما تحول إلى أزمة دبلوماسية. فطنجة في تلك الفترة كانت مدينة دولية بكل معنى الكلمة، يعيش فيها مئات الأوروبيين من تجار ودبلوماسيين. وقد اعتبر كثير منهم أن اعتقال الرجلين تصرفاً متسرعاً وانتهاكاً للأعراف الدولية، خاصة أنه جرى على أرض مغربية. وسرعان ما انتشرت الأخبار في الشوارع، لتتجمع حشود غاضبة أمام القنصلية الأمريكية.
في غضون ساعات، امتلأت الأزقة المحيطة بالمبنى بالمتظاهرين. كان معظمهم من الأوروبيين المقيمين في طنجة، وقد كانوا متعاطفين مع الجنوب الأمريكي لأن تجارتهم، خاصة في القطن، تأثرت بالحرب. بدأوا يطرقون أبواب القنصلية ويهتفون مطالبين بالإفراج عن المعتقلين. لكن دي لونج، رغم حداثة عهده بالدبلوماسية، رفض التراجع.
داخل القنصلية، كان التوتر يتصاعد. أدرك دي لونج أن الوضع قد يخرج عن السيطرة. لذلك أرسل رسالة عاجلة إلى البحرية الأمريكية التي كانت سفنها تجوب مضيق جبل طارق بحثاً عن سفن الكونفدرالية. وبعد أيام قليلة فقط، ظهرت سفينة حربية أمريكية في ميناء طنجة.

كان وصولها مشهداً غير مألوف في المدينة المتوسطية. نزل نحو أربعين جندياً من مشاة البحرية الأمريكية إلى اليابسة، وصعدوا التل المؤدي إلى القنصلية. هناك، تسلموا السجينين وسط مراقبة سكان المدينة ودهشة القناصل الأوروبيين. بعدها اقتادوهما إلى السفينة التي أبحرت بهما نحو الولايات المتحدة حيث وضعا في سجن عسكري.
غير أن الأزمة لم تنته عند هذا الحد. فقد احتجت عدة قنصليات أوروبية على تصرف دي لونج، معتبرة أن القنصل الأمريكي تجاوز صلاحياته. حتى داخل الحكومة الأمريكية نفسها، لم يكن الجميع مقتنعاً بحكمته. فقد رأى بعض المسؤولين في واشنطن أن تصرفه كاد يجر الولايات المتحدة إلى أزمة دبلوماسية غير ضرورية في وقت كانت البلاد تخوض حرباً شرسة في الداخل.
أما في المغرب، فقد تعاملت السلطات مع القضية ببراغماتية. فالدولة كانت آنذاك تمر بمرحلة حساسة بعد هزيمة عسكرية أمام إسبانيا، وكانت القوى الأوروبية تحاول توسيع نفوذها داخل البلاد. لذلك اختارت الحكومة المغربية الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في هذه القضية، مؤكدة صداقتها مع واشنطن واستعدادها لمنع أي نشاط للكونفدراليين في الموانئ المغربية.
ورغم أن دي لونج نجح في تحقيق هدفه، إلا أن الثمن كان باهظاً. فقد تحولت قصته في طنجة إلى صداع دبلوماسي للرئيس أبراهام لينكولن ووزير خارجيته. وبعد أشهر قليلة من الواقعة تم استدعاؤه من منصبه وإنهاء مهمته قبل الأوان.
لكن تلك الحادثة تركت وراءها فصلاً غريباً في تاريخ طنجة والعلاقات المغربية الأمريكية. فقد كانت المرة الوحيدة خلال الحرب الأهلية التي تنزل فيها قوات الاتحاد خارج القارة الأمريكية، كما كانت لحظة نادرة تلاقت فيها مصائر مدينة مغربية هادئة مع واحدة من أعنف الحروب في التاريخ الحديث. وفي شوارع طنجة، التي اعتادت على قصص التجار والدبلوماسيين، بقيت تلك الواقعة شاهداً على زمن كانت فيه المدينة مسرحاً صغيراً لصراعات العالم الكبرى.