2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
بين اغتيال ولي عهد النمسا وخامنئي، هل هي بوادر حرب عالمية ثالثة؟
عسلي حميد*
درسنا ونحن في المرحلة الإعدادية أن اندلاع الحرب العالمية الأولى كان من بين أبرز أسبابها، حادثة اغتيال ولي عهد النمسا أواخر شهر يونيو من سنة 1914 وهي الشرارة التي أدت إلى بروز نظام تحالفات بين الدول الأوروبية سميت آنذاك بدول المحور أو (المركز) ودول الوفاق (الحلفاء). والآن وبعد حوالي 112 سنة من هذه الحادثة، هل نحن اليوم أمام سيناريو مماثل، قد ينتج عليه تسارع في الأحداث واصطفافات وتكتلات بين دول معروفة ومؤثرة في المشهد الدولي على غرار الصين وروسيا إلى جانب إيران، مقابل انضمام دول أوروبية إلى حلف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟ ناهيك عن دول مثل الهند وباكستان ثم ماذا عن كوريا الشمالية وماذا سيكون موقف الدول العربية خصوصا الخليجية منها وهي واقعة الآن في قلب العاصفة وقد أمطرت إيران عواصمها بوابل من الصواريخ الباليستية؟ وماهي أدوار الأمم المتحدة في كل ذلك؟ هي إذن أسئلة وأخرى تطرق أذهاننا في خضم هذا الزخم من العنف المتزايد والمتصاعد يوما بعد يوم والحرب قد انتشرت نيرانها وتوسعت ونحن فقط في يومها الخامس.
بعد أقل من سنة عادت الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بالشرق الأوسط إسرائيل للمرة الثانية إلى شن حرب خادعة ومباغتة كسابقتها في ظل تواتر مؤشرات كانت جميعها تقول بأن المفاوضات قد أثمرت وستفرز اتفاقا جديدا ينهي مسالة الملف النووي الإيراني ويطويه بصفة دائمة ونهائية، وهي ذات الخلاصات التي أدلى بها وزير خارجية عمان (الدولة الراعية للمفاوضات) بحيث وصفها بالمفاوضات الجادة والفعالة غير أنه مصدوم من تقويضها مرة أخرى.
صحيح أن الحرب خدعة، وقد انطلت الخدعة للمرة الثانية على إيران، لكن هذه المرة يبدو أن الغضب المتزايد لردة فعل إيران بعد اغتيال آية الله الخامنئي يتقلد أعلى منصب في هرم السلطة الإيرانية بصفته المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، هذا الأمر لن يمر مرور سلام وليس من السهل أن تتغاضى عنه إيران وقد ينفد “صبرها الاستراتيجي” إلى الانتقام بكل ما اوتيت من قوة وبتهور، وقد بدا للعالم خروجها عن بعض الخطوط الحمراء لحظة قصفها عواصم بلدان عربية ومنها سلطنة عمان الدولة الوسيطة في النزاع.
لكن إلى أي حد يمكن للجمهورية الإيرانية مواصلة هذا الزخم المتصاعد من الردود العسكرية وماهي قدراتها الاستراتيجية من صواريخ في ذلك، لقد تبين لحد الآن أن إيران بدأت ردها الانتقامي بصواريخ تقليدية ثم أدخلت بشكل تدريجي ومحسوب أصناف جديدة جد متطورة وأخرى مجربة إلى ساحة القصف، إن هذا التصرف قد ينم على وعي عميق بالوضع الحالي وبذلك فإيران ترسل رسائل غير مشفرة على انها مستعدة لحرب قد تطول عنوانها استنزاف الخصم ومجاراة قدراته بالقليل المستدام عكس ما فعلت في حربها الأخيرة.
إن قدرة إيران على الصمود قد يكون بطريقة غير مباشرة مسنود من دول حليفة لها مثل الصين وروسيا، على الأقل في الوقت الراهن عبر المساندة التقنية والقراءة العسكرية وتوفير المعلومات الاستخباراتية من خلال تحديد مواقع الأهداف وطرق استهدافها، لكن هل يمكن أن تتحول هذه المساندة المفترضة إلى دعم صريح بالعتاد والذخيرة؟ خصوصا أن سقوط إيران في يد الولايات المتحدة الأميركية يعني بصفة مباشرة تحكم هذه الأخيرة في نفط إيران وغازها كما فعلت غير بعيد مع فينزويلا، فهل ستسمح الصين بسقوط مورديها من النفط وحلفائها واحدا تلو الآخر، ألا يمكن للقيصر بوتن أن يجعل من هذه الحرب نقطة تحول استراتيجية في حربه الطويلة مع أوكرانيا، بحيث يدفع باستدامة هذه الحرب لاستنزاف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ورفع كلفتها إلى أقصى الحدود كما فعلوا معه أمام أوكرانيا من خلال تزويدها بما يلزم من السلاح والعون.
صحيح أن اغتيال أو سجن القادة والرؤساء والزعماء من غير الدول الغربية قد أصبح أمرا عاديا ولا يمكن أن يكون في حد ذاته سببا لنشوب حرب عالمية جديدة ولن تتداعى له الدول لمجرد فعل ذلك، لكن مسار الأحداث الجارية وتسارعها في ظل وجود جيش عقائدي يصعب تفكيكه أو اختراقه مع إصرار إيران على توسيع رقعة الحرب إلى دول عربية وأوروبية ومع تباين المصالح الكبرى لدول الشرق والمساس بها بشكل جوهري، قد يشكل حافزا قويا للانخراط في هذه الحرب بشكل متدرج يجعل منها كرة نار قد تذيب صقيع الأعراف الدولية وتنتهك الخطوط الحمراء لقواعد الاشتباك، فليس عالمنا الحالي بوجود دونلد ترمب وبوتن وشي جين ناهيك عن كيم جونغ اون بأعقل من زمن ويلسن وجورج الخامس والقيصر فيلهلم الثاني حين اندلعت الحرب العالمية الأولى ولا أقل تعصبا من ستالين وموسيليني وهتلر إبان الحرب العالمية الثانية.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.