2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة.. الروبيو حارس أسرار طنجة السفلى
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
في قلب طنجة، بعيداً عن أضواء المدينة وصخبها، يقبع منزل صغير، سقيفته مطلة على سينما الروكسي، وداخل هذا المكان البسيط يكمن عالم كامل من الأسرار والحكايات. هناك يعيش أحمد الكباشي، الملقب بالروبيو، الرجل الذي لا يعرفه الجميع حق المعرفة، لكن من يعرفه يدرك أنه خزان حي للذاكرة الحضرية للمدينة، رفيق الأدباء والمثقفين، وراوي تفاصيل طنجة السفلى التي تختبئ خلف الضوضاء والدهشة.
الروبيو الذي غاصت في تفاصيل حياته رواية “شيخ الخمارين” لكاتبها أسامة العوامي التيوى، ليس مجرد رجل، بل هو تمثيل حي لرحلة طويلة من التحديات والصمود. ولد في دوار أسكاور، التابع لجماعة أملن بإقليم تيزنيت، بعيداً عن صخب المدن، حيث بدأت حياته في مدرسة قرآنية قبل أن يعلن عصيانه بعد حادثة مع الفقيه المحلي. تلك الليلة الممطرة، عندما انجرفت الأودية في قريته، شعر بالاغتراب عن المجتمع وقرر أن يخطو وحده نحو مصيره. لم تتمكن عائلته من دفع تذكرة السفر إلى طنجة، لكنه اختار سطح العربة مع أمتعته ودجاجه، ليشق طريقه نحو عالم مختلف، عالم محلات البقالة حيث سيتعلم أسرار الناس، تفاصيل حياتهم، وممارساتهم اليومية، ويبدأ رحلته الطويلة كحارس لذكريات المدينة.
في طنجة، أصبح الروبيو خبيراً بالأحياء، يعرف تفاصيل كل زاوية وسر كل حارة. محلات البقالة بالنسبة له لم تكن مجرد أماكن لبيع الطعام، بل فضاءات لمراقبة حياة البشر، لتسجيل ملاحظاتهم، ولتكوين شبكة من العلاقات الثقافية والاجتماعية. هنا، تعلم أن الفقر والمعاناة جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، وأن التعاطف مع الناس لا يقل أهمية عن الحكمة في فهمهم. هذا الفهم العميق جعله مستودعاً للمعرفة، وحوّل سقيفته إلى ما يشبه زاوية ثقافية حية، يلتقي فيها الأدباء والفنانون، ويغوصون معه في نقاشات حول الأدب والفن والمدينة.
الروبيو كان بوهيمياً بطبيعته، يعيش حياة بسيطة لكنها غنية بالرموز. يشارك طعامه مع كل من حوله، وحتى مع حيواناته التي كانت جزءاً من عالمه الروحي. كلبه كالوم وقطه الشيخ مسعود كانا أكثر من مجرد حيوانات أليفة؛ كانا مرايا لشخصيته، شركاء في الحياة اليومية وشهوداً على تأملاته وأفكاره. علاقته العميقة بالحيوانات جعلته يعيش حياة متناغمة مع الطبيعة والمدينة في الوقت ذاته، حياة يختزل فيها البشر والحيوانات في سرد متوازن من الحب والانتباه.
المكان الذي عاش فيه الروبيو، السقيفة اللعينة كما يسميها الزائرون، لم يكن مجرد منزل، بل متحفاً تاريخياً يضم أدوات قديمة، بيانو من القرن الماضي، صوراً ورسومات تروي قصة طنجة السفلى في حقبة مضت. هنا، أصبح الروبيو شيخ الزاوية، الذي يحمي أسرار المدينة، ويروي قصص الماضي بذكاء وحذر، متقناً نسج الحقيقة بالخيال. لقد جمع حوله مريدين من الأدباء والمثقفين والفنانين، وكان من بينهم محمد شكري وإدريس الخوري ومحمد زفزاف، ممن وجدوا في سقيفته ملاذاً لفنهم وأدبهم.

رفيق شكري وحارس أسراره
بالنسبة لشكري، كانت سقيفة الروبيو أكثر من مجرد مكان، بل كانت ملاذًا يختبئ فيه من ضغوط المدينة والحياة اليومية. بين جدرانها البسيطة المليئة بالصور القديمة وآلات البيانو المهترئة، كان الروبيو يوفر له مساحة للحديث بحرية عن أسراره وأفكاره، من أدق تفاصيل حياته الشخصية إلى ملاحظاته عن الناس والأحياء. هناك، كان شكري يجد الراحة ويستعيد توازنه النفسي، فيما الروبيو يحافظ على سرية كل كلمة تُقال، محافظًا على الثقة بينهما كأنها عهد مقدس.
لم يكن الروبيو مجرد مستمع، بل أصبح مرشدًا لشكري في التعامل مع غرائب المدينة وثقافتها السفلى، وهما الغريبات القادمان من خارج طنجة لينصهرا داخلها. في تلك الزاوية الصغيرة من المدينة، لم يكن شكري مضطرًا لإخفاء جزء من نفسه، والميولات الجنسية الشاذة التي تحملها، والتي غالبًا ما كانت موضوعًا للسر والخوف في المجتمع، وجدت أمام الروبيو مساحة آمنة للتفكير، ضمن لغة مرمزة وفهم متبادل.

علاقة الروبيو بشكري اتسمت بالعمق والصدق؛ فقد قدم الروبيو شكري نموذجًا حيًا للوفاء والثقة، ما مكّنه من التعبير عن نفسه بلا قيود. في المقابل، كان شكري يغذي الروبيو بالأفكار والقصص، فشكّلا معًا فضاءً من الإلهام الأدبي، حيث امتزجت الحياة اليومية البسيطة مع ثقل التجربة الإنسانية. من سقيفة الروكسي إلى حانات طنجة، ظل الروبيو هو العين التي ترى دون أن تحكم، والكتف الذي يحمل أسرار الكاتب في خضم حياة المدينة السفلى.
هكذا، يبقى الروبيو أكثر من مجرد رجل؛ هو بورتريه حي لطنجة السفلى، روح المدينة ومتحفها الحي، الذي اختار السقيفة زاوية للحياة، للحكايات، وللسحر اليومي الذي يجعل من طنجة مدينة لا تنسى.